الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 1121 201 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَتُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا إِخَالُهُ. عمدة القاري قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِي "بَابِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى" وَأَظُنُّهُ مَنْ غَلَطِ النَّاسِخِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَا بِهَذَا الْبَابِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: إِنَّ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفَاتِ الَّتِي لَا تَشْفِي الْعَلِيلَ، وَلَا تَرْوِي الْغَلِيلَ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ ، " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي السَّفَرِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ " فَأَرَادَ أَنَّ تَرَدُّدَ ابْنِ عُمَرَ فِي كَوْنِهِ صَلَّاهَا أَوْ لَا لَا يَقْتَضِي رَدَّ مَا جَزَمَ بِهِ أَنَسٌ ، بَلْ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي ذَلِكَ انْتَهَى. (قُلْتُ): لَوْ ظَهَرَ لَهُ تَوْجِيهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى وَجْهٍ يَقْبَلُهُ السَّامِعُ لَمَا قَالَ قَوْلًا تَنْفِرُ عَنْهُ سَجِيَّةُ ذَوِي الْأَفْهَامِ، فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي فِيهِ الْإِثْبَاتُ الْمُقَيَّدُ، وَحَدِيثُ الْبَابِ الَّذِي فِيهِ النَّفْيُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ يَقُولُ فَأَرَادَ أَنَّ تَرَدُّدَ ابْنِ عُمَرَ إِلَى آخِرِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ: إِنَّهُ تَرَدَّدَ بَلْ جَزَمَ بِالنَّفْيِ فَيَقْتَضِي ظَاهِرًا رَدَّ مَا جَزَمَ بِهِ أَنَسٌ بِالْإِثْبَاتِ، فَمَنْ لَهُ نَظَرٌ وَمَعْرِفَةٌ بِهَيْئَةِ التَّرْكِيبِ كَيْفَ يَقُولُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَرَدَّدَ فِي هَذَا، وَالتَّرَدُّدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ قَدْ جَزَمَ بِالنَّفْيِ مَعَ تَكْرَارِ حَرْفِ النَّفْيِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ وَجْهٌ بِالِاسْتِئْنَاسِ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَحَدِيثَيِ الْبَابِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالْآخَرُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَى التَّرْجَمَةِ بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ هَلْ يُصَلَّى أَوْ لَا ؟ فَذِكْرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى النَّفْيِ مُطْلَقًا، وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِثْبَاتِ مُطْلَقًا، ثُمَّ يَبْقَى طَلَبُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَيُقَالُ: عَدَمُ رُؤْيَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الشَّيْخَيْنِ، وَمِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الضُّحَى لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ مِنْهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ نَفْيِ ابْنِ عُمَرَ نَفْيُ الْمُدَاوَمَةِ لَا نَفْيَ الْوُقُوعِ أَصْلًا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِهَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا " ، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَأَسْتَحِبُّهَا " وَمَعَ هَذَا ثَبَتَ عَنْهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، فَمُرَادُهَا مِنَ النَّفْيِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ. وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " مَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى " أَيْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا، وَكَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَتَرَكَهَا فِي بَعْضِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ، قَالَ: وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، (فَإِنْ قُلْتَ): يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الْجَزْمِ بِكَوْنِهَا مُحْدَثَةً، وَكَوْنِهَا بِدْعَةً، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مُحْدَثَةٌ، وَإِنَّهَا لِمَنْ أَحْسَنِ مَا أَحْدَثُوا . وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ: بِدْعَةٌ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ . (قُلْتُ): أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ أَيْ مُلَازَمَتُهَا وَإِظْهَارُهَا فِي الْمَسَاجِدِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَعْهَدُ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ قَالَ: وَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْهُ مَا ابْتَدَعَ الْمُسْلِمُونَ بِدْعَةً أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، لَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا أَنْكَرَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ: إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَفِي بُيُوتِكُمْ لِمَ تُحَمِّلُونَ عِبَادَ اللَّهِ مَا لَمْ يُحَمِّلْهُمُ اللَّهُ ؟ كُلُّ ذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ يَحْسِبَهَا الْجُهَّالُ مِنَ الْفَرَائِضِ. (ذِكْرُ رِجَالِهِ) وَهُمْ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ: مُسَدَّدٌ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ. الثَّانِي: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ الْأَحْوَلُ . الثَّالِثُ: شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ . الرَّابِعُ: تَوْبَةٌ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتَحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ابْنُ كَيْسَانَ، أَبُو الْمُوَرِّعِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْعَنْبَرِيُّ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. الْخَامِسُ: مُوَرِّقٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ابْنُ الْمُشَمْرَجِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ كَذَا ضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَبَطَ غَيْرُهُ بِكَسْرِهَا. السَّادِسُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . (ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ): فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ الْقَوْلُ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ بَصْرِيُّونَ مَا خَلَا الْحَجَّاجَ فَإِنَّهُ وَاسِطِيٌّ، وَقِيلَ: مُوَرِّقٌ كُوفِيٌّ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ تَوْبَةَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثٌ آخَرُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُوَرِّقٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ; لِأَنَّ تَوْبَةَ مِنَ التَّابِعِينَ الصِّغَارِ، وَفِيهِ أَنَّ شَيْخَهُ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِهِ. (ذِكْرُ مَعْنَاهُ): قَوْلُهُ: " تُصَلِّي الضُّحَى " أَيْ أَتُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى. قَوْلُهُ: " قَالَ: لَا " أَيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا أُصَلِّي. قَوْلُهُ: " فَعَمَرُ " أَيْ أَفَيُصَلِّي عُمَرُ ؟ " قَالَ: لَا " أَيْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي. قَوْلُهُ: " فَأَبُو بَكْرٍ " أَيْ أَفَيُصَلِّي أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ ؟ " قَالَ: لَا " أَيْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي. قَوْلُهُ: " فَالنَّبِيُّ " أَيْ أَفَيُصَلِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ " قَالَ: لَا إِخَالُهُ " أَيْ لَا أَظُنُّهُ أَنَّهُ صَلَّى، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ، وَجَازَ فِي جَمِيعِ حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ الْكَسْرُ إِلَّا الْيَاءَ، فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَبَنُو أَسَدٍ يَقُولُونَ: أَخَالُ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَهُوَ مَنْ خِلْتُ الشَّيْءَ خُيَلَاءَ وَخَيَلَةً وَمُخَيَّلَةً وَخَيْلُولَةً أَيْ ظَنَنْتُهُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ ظَنَنْتُ وَأَخَوَاتُهَا الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، فَإِنِ ابْتَدَأْتَ بِهَا أَعُمِلَتْ، وَإِنْ وَسَّطْتَهَا أَوْ أَخَّرْتَ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِعْمَالِ وَالْإِلْغَاءِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَفْعُولُهُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَا أَظُنُّهُ مُصَلِّيًا أَوْ لَا أَظُنُّهُ صَلَّى.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية