الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الجامع الصغير للسيوطي 1598 - (أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى الْمَوْتِ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ لمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذْ وَلِيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ فَيَتَّسِعُ لهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذْ وَلِيتُكَ الْيَوْمَ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ وَيُقَيَّضُ لهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا لوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا فَيَنْهَشَنَّهُ وَيَخْدِشَنَّهُ حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ إِلَى الْحِسَابِ إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) (ت) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. (ح) فيض القدير (أَمَا إِنَّكُمْ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ: يَجُوزُ كَسْرُ إِنَّ بَعْدَ أَمَا مَقْصُودًا بِهَا مَعْنَى أَلَا الِاسْتِفْتَاحِيَّةِ وَإِنْ قَصَدَ بِهَا مَعْنَى حَقًّا فُتِحَتِ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِينَ جَلَسْتُمْ عِنْدَ مُصَلَّانَا تُكَشِّرُونَ أَيْ تَضْحَكُونَ (لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لِشَغْلِكُمْ عَمَّا أَرَى) مِنَ الْكَشْرِ وَهُوَ ظُهُورُ الْأَسْنَانِ لِلضَّحِكِ (الْمَوْتِ) بِجَرِّهِ عَطْفُ بَيَانٍ وَرَفْعِهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَنَصْبِهِ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي (فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) الْمَوْتِ (فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ) أَيْ حَقِيقَةً وَالَّذِي خَلَقَ الْكَلَامَ فِي لِسَانِ الْإِنْسَانِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَهُ فِي الْجَمَادِ وَلَا يَلُومُ مِنْ ذَلِكَ سَمَاعُنَا لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِلِسَانِ الْحَالِ (فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ) فَالَّذِي يَسْكُنُنِي غَرِيبٌ (وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ) فَمَنْ حَلَّ بِي وَحِيدٌ (وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ) فَمَنْ سَكَنَنِي أَكَلَهُ التُّرَابُ وَالدُّودُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حَكِيمٌ: اجْعَلْ قَبْرَكَ خِزَانَتَكَ احْشُهَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ مَا أَمْكَنَكَ لِيُؤْنِسَكَ (فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) أَيِ الْمُطِيعُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ الْفَاجِرَ وَالْكَافِرَ فِي مُقَابَلَتِهِ (قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلًا) أَيْ لَقِيتَ رَحْبًا وَأَهْلًا (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ (إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ) لِمَا أَنَّكَ مُطِيعٌ لِرَبِّي وَرَبِّكَ (فَإِذَا وَلِيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ) أَيِ انْتَقَلْتَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَيَّ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: صَارَ زَيْدٌ غَنِيًّا انْتَقَلَ إِلَى حَالَةِ الْغِنَى بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا وَصَارَ الْعَصِيرُ خَمْرًا كَذَلِكَ وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى كَذَا رَجَعَ إِلَيْهِ (فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ) فَإِنِّي مُحْسِنُهُ جِدًّا وَقَضِيَّةُ السِّينِ أَنَّ الِاتِّسَاعَ وَمَا بَعْدَهُ مِمَّا يَأْتِي يَتَأَخَّرُ عَنِ الْإِقْبَارِ (فَيَتَّسِعُ مَدَّ بَصَرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ مَا يَمْتَدُّ إِلَيْهِ بَصَرُهُ (وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ) يَعْنِي تَفْتَحُهُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَوْ يَنْفَتِحُ بِنَفْسِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ (وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ) أَيِ الْمُؤْمِنُ الْفَاسِقُ (أَوِ الْكَافِرُ) بِأَيِّ كُفْرٍ كَانَ (قَالَ لَهُ الْقَبْرُ) بِلِسَانِ الْقَالِ أَوِ الْحَالِ عَلَى مَا سَبَقَ (لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا) بِكَ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ (إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ) لِمَا أَنَّكَ عَاصٍ لِرَبِّي وَرَبِّكَ (فَإِذَا وَلِيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ) أَيْ يَنْضَمُّ (حَتَّى يَلْتَقِيَ عَلَيْهِ) بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ (وَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ) مِنْ شَدَّةِ الضَّغْطِ وَقَضِيَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الضَّمَّ مَخْصُوصٌ بِالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ لَا يَنْضَمُّ عَلَيْهِ وَصَرِيحُ مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَقَوْلُهُ لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا سَعْدٌ خِلَافُهُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ يَنْضَمُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفَرِجُ عَنْهُ سَرِيعًا وَالْمُؤْمِنَ الْعَاصِيَ يَطُولُ ضَمُّهُ ثُمَّ يَتَرَاخَى عَنْهُ بَعْدُ وَأَنَّ الْكَافِرَ يَدُومُ ضَمُّهُ أَوْ يَكَادُ أَنْ يَدُومَ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيَزُولُ التَّعَارُضُ مِنَ الْبَيْنِ فَتَدَبَّرْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ (وَيَفِيضُ لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا) أَيْ ثُعْبَانًا (لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ عَلَى ظَهْرِهَا بَيْنَ النَّاسِ (مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا) مِنَ النَّبَاتِ (مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) أَيْ مُدَّةَ بَقَائِهَا (فَيَنْهَشْنَهُ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَقَدْ تُهْمَلُ وَالنَّهْشُ الْقَبْضُ عَلَى اللَّحْمِ وَنَثْرُهُ (وَيَخْدِشْنَهُ) أَيْ يَجْرَحْنَهُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ خَدَشْتُهُ خَدْشًا جَرَحْتُهُ فِي ظَاهِرِ الْجِلْدِ (حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ إِلَى الْحِسَابِ) أَيْ حَتَّى يَصِلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْإِفْضَاءُ الْوُصُولُ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَفْضَيْتُ إِلَى الشَّيْءِ وَصَلْتُ إِلَيْهِ (إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) حَقِيقَةً لِمَا يُتْحَفُ الْمُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرَّيْحَانِ وَأَزْهَارِ الْجِنَانِ أَوْ مَجَازًا عَنْ خِفَّةِ السُّؤَالِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَأَمْنِهِ وَرَاحَتِهِ وَسِعَتِهِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ عَيْشُهُ رَغْدًا (أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِيمَا قَبْلَهُ وَالْقَبْرُ وَاحِدُ الْقُبُورِ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَهُوَ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ بَنُو آدَمَ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقُولُ نُقِلُوا مِنَ الْقُصُورِ إِلَى الْقُبُورِ وَمِنَ الْمَنَابِرِ إِلَى الْمَقَابِرِ وَالْحُفْرَةُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ بِالضَّمِّ وَاحِدَةُ الْحُفَرِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَفَرَ النَّهْرَ بِالْمِحْفَارِ وَاحْتَفَرَهُ وَدَلَّوْهُ فِي الْحُفْرَةِ وَالْحُفَيْرَةِ وَهُوَ الْقَبْرُ . (تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهِ وَالظَّاهِرُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ (ت) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (أَمَّا) بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية