الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الجامع الصغير للسيوطي 2384 - (إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) (ت) (ن) (حب) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (ض) فيض القدير (إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً) بِالْفَتْحِ قُرْبٌ وَإِصَابَةٌ مِنَ الْإِلْمَامِ وَهُوَ الْقُرْبُ (بِابْنِ آدَمَ وَلَلْمَلَكِ لَمَّةً) الْمُرَادُ بِهَا فِيهِمَا مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ الشَّيْطَانِ أَوِ الْمَلَكِ (فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكُ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ) فَإِنَّ الْمَلَكَ وَالشَّيْطَانَ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى الْقَلْبِ تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَيْلُهُ أَطْوَلَ مِنْ نَهَارِهِ وَآخَرُ بِضِدِّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ زَمَنُهُ نَهَارًا كُلَّهُ وَآخَرُ بِضِدِّهِ قَالَ الْقَاضِي: وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ إِيعَادٌ عَلَى زِنَةِ إِفْعَالٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ) أَيْ إِلْمَامَ الْمَلَكِ (فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ) يَعْنِي مِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) عَلَى ذَلِكَ (وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى) أَيْ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ (فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) تَمَامُهُ ثُمَّ قَرَأَ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ اهـ.قَالَ الْقَاضِيَ: وَالْإِيعَادُ وَإِنِ اخْتُصَّ بِالشَّرِّ عُرْفًا يُقَالُ أَوْعَدَ إِذَا وَعَدَ وَعْدًا شَرًّا إِلَّا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي الْخَيْرِ لِلِازْدِوَاجِ وَالْأَمْنِ مِنَ الِاشْتِبَاهِ بِذِكْرِ الْخَيْرِ بَعْدَهُ اهـ.وَنَسَبَ لَمَّةَ الْمَلَكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الْخَيْرِ وَإِشَادَةً بِذِكْرِهِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ اللَّمَّتَيْنِ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَالْخَوَاطِرُ بِمَنْزِلَةِ الْبَذْرِ فَمِنْهَا مَا هُوَ بَذْرُ السَّعَادَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بَذْرُ الشَّقَاوَةِ وَسَبَبُ اشْتِبَاهِ الْخَوَاطِرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ لَا خَامِسَ لَهَا كَمَا قَالَهُ الْعَارِفُ السَّهْرَوَرْدِيُّ ضَعْفُ الْيَقِينِ أَوْ قِلَّةُ الْعِلْمِ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِ النَّفْسِ وَأَخْلَاقِهَا أَوْ مُتَابَعَةُ الْهَوَى بِخَرْمِ قَوَاعِدِ التَّقْوَى أَوْ مَحَبَّةُ الدُّنْيَا وَمَالِهَا وَجَاهِهَا وَطَلَبُ الْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَةِ عِنْدَ النَّاسِ فَمَنْ عُصِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَرَّقَ بَيْنَ لَمَّةِ الْمَلَكِ وَلَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَمَنِ ابْتُلِيَ بِهَا لَمْ يُفَرِّقْ وَانْكِشَافُ بَعْضِ الْخَوَاطِرِ دُونَ بَعْضٍ لِوُجُودِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ بَعْضٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ مِنَ الْحَرَامِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ . (تَنْبِيهٌ): قَالَ الْغَزَّالِيُّ: الْآثَارُ الْحَاصِلَةُ فِي الْقَلْبِ هِيَ الْخَوَاطِرُ سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تَخْطُرُ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْقَلْبُ غَافِلًا عَنْهَا وَالْخَوَاطِرُ هِيَ الْمُحَرِّكَةُ لِلْإِرَادَاتِ وَتَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَدْعُو إِلَى الشَّرِّ أَعْنِي مَا يَضُرُّ فِي الْعَاقِبَةِ وَإِلَى مَا يَدْعُو إِلَى الْخَيْرِ أَيْ مَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ فَهُمَا خَاطِرَانِ مُخْتَلِفَانِ فَافْتَقَرَ إِلَى اسْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَالْخَاطِرُ الْمَحْمُودُ يُسَمَّى إِلْهَامًا وَالْمَذْمُومُ يُسَمَّى وَسْوَاسًا وَهَذِهِ الْخَوَاطِرُ حَادِثَةٌ وَكُلُّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَمَهْمَا اخْتَلَفَتِ الْحَوَادِثُ دَلَّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ فَمَهْمَا اسْتَنَارَ حِيطَانُ الْبَيْتِ بِنُورِ النَّارِ وَأَظْلَمَ سَقَفُهُ وَاسْوَدَّ عُلِمَ أَنَّ سَبَبَ السَّوَادِ غَيْرُ سَبَبِ الِاسْتِنَارَةِ وَكَذَا الْأَنْوَارُ فِي الْقَلْبِ وَظُلُمَاتُهُ سَبَبَانِ فَسَبَبُ الْخَاطِرِ الدَّاعِي لِلْخَيْرِ يُسَمَّى مَلَكًا وَالدَّاعِي لِلشَّرِّ شَيْطَانًا وَاللُّطْفُ الَّذِي بِهِ تَهَيَّأَ الْقَلْبُ لِقَبُولِ لَمَّةِ الْمَلَكِ يُسَمَّى تَوْفِيقًا وَاللُّطْفُ الَّذِي بِهِ تَهَيَّأَ الْقَلْبُ لِقَبُولِ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ إِغَوَاءً وَخِذْلَانًا فَإِنَّ الْمَعَانِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى أَسَامِي مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَلَكُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ شَأْنُهُ إِفَاضَةُ الْخَيْرِ وَإِفَادَةُ الْعِلْمِ وَكَشْفُ الْحَقِّ وَالْوَعْدِ بِالْمَعْرُوفِ وَالشَّيْطَانُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقٍ شَأْنُهُ الْوَعِيدُ بِالشَّرِّ وَالْأَمْرُ بِالْفَحْشَاءِ فَالْوَسْوَسَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِلْهَامِ وَالشَّيْطَانُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَلَكِ وَالتَّوْفِيقُ فِي مُقَابَلَةِ الْخِذْلَانِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ بِآيَةِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وَالْقَلْبُ مُتَجَاذِبٌ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَالْمَلَكِ فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا وَقَفَ عِنْدَ هَمِّهِ فَمَا كَانَ لِلَّهِ أَمْضَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ عَدُوِّهِ جَاهَدَهُ وَالْقَلْبُ بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ صَالِحٌ لِقَبُولِ آثَارِ الْمَلَائِكَةِ وَآثَارِ الشَّيَاطِينِ صَلَاحًا مُتَسَاوِيًا لَكِنْ يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْإِكْبَابِ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَمُخَالَفَتِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَوَاطِرَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ دَاعِي إِلَى الشَّرِّ فَلَا يَخْفَى كَوْنُهُ وَسْوَسَةً وَإِلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ دَاعِي إِلَى الْخَيْرِ فَلَا يُشَكُّ كَوْنُهُ إِلْهَامًا وَإِلَى مَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ فَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْ لَمَّةِ الْمَلَكُ أَوْ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ أَنْ يَعْرِضَ الشَّرَّ فِي مَعْرِضِ الْخَيْرِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا غَامِضٌ فَحَقُّ الْعَبْدِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ كُلِّ هَمٍّ يَخْطُرُ لَهُ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّةُ الْمَلَكِ أَوْ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ وَأَنْ يُمْعِنَ النَّظَرَ فِيهِ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ لَا بِهَوَى الطَّبْعِ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِنُورِ الْيَقِينِ وَغَزَارَةِ الْعِلْمِ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا (ت) (ن) كِلَاهُمَا فِي التَّفْسِيرِ (حب) عن ابْنِ مَسْعُودٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ وَسَنَدُهُمَا سَنَدُ مُسْلِمٍ إِلَّا عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ فَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ مُسْلِمٌ إِلَّا مُتَابَعَةً.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية