الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              1649 [ 857 ] ومن حديث جابر قال : ( ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه ، إلا جاءه كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع ، يتبعه فاتحا فاه ، فإذا أتاه فر منه ، فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني ، فإذا رأى ألا بد منه ، سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل) .

                                                                                              وفيه : قال رجل : ما حق الإبل ؟ قال : ( حلبها على الماء ، وإعارة دلوها ، وإعارة فحلها ومنيحتها وحمل عليها في سبيل الله)

                                                                                              رواه أحمد (2 \ 321)، ومسلم (988) (27)، والنسائي (5 \ 27) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقوله في حديث جابر : ( ولا صاحب كنز ) ، قال الطبري : الكنز : كل شيء مجموع بعضه إلى بعض ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها . وقال ابن دريد : الكنز : كل شيء غمزته بيدك أو رجلك في وعاء أو أرض .

                                                                                              قلت : وأصل الكنز : الضم والجمع ، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة ، ألا [ ص: 30 ] ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - : (ألا أخبركم بخير ما يكنزه المرء : المرأة الصالحة) ; أي : يضمه لنفسه ويجمعه .

                                                                                              واختلف في المراد بالكنز في الآية ، فقال أكثرهم : هو كل مال وجبت فيه الزكاة ، فلم تؤد منه ، ولا أخرجت . وكل ما أخرجت زكاته فليس بكنز . وقيل : كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز ، وإن أديت زكاته . وقيل : هو ما فضل عن الحاجة . ولعل هذا كان في أول الإسلام عند ضيق الحال عليهم ، والقول الأول هو الصحيح ; بدليل هذا الحديث ، وبما خرجه أبو داود عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : والذين يكنزون الذهب والفضة قال : كبر ذلك على المسلمين ، فقال عمر رضي الله عنه - : أنا أفرج عنكم ، فانطلق ، فقال : يا نبي الله ! إنه كبر على أصحابك هذه الآية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث - فذكر كلمة - لتكون لمن بعدكم ، لتطيب لمن بعدكم) ، قال : فكبر عمر رضي الله عنه ، ثم قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة ، إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته) .

                                                                                              وقوله : ( إلا جاء يوم القيامة كنزه شجاعا أقرع ) ، وفي أخرى : (إلا مثل) ; أي : صور له . وقيل : نصب وأقيم . من قولهم : مثل قائما ; أي : منتصبا . والشجاع من الحيات : هو الحية الذكر الذي يواثب الفارس والراجل ، ويقوم على ذنبه ، وربما بلغ رأس الفارس ، ويكون في الصحارى . وقيل : هو الثعبان . قال [ ص: 31 ] اللحياني : يقال للحية : شجاع . وثلاثة أشجعة ، ثم شجعان . والأقرع من الحيات : الذي تمعط رأسه وابيض من السم ، ومن الناس : الذي لا شعر له في رأسه [لتقرحه] .

                                                                                              وفي غير كتاب مسلم من الزيادة : (له زبيبتان) ، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السم ، ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام . وقيل : نكتتان على عينيه ، وما هو على هذه الصفة من الحيات هو أشد أذى . قال الداودي : وقيل : هما نابان يخرجان من فيه .

                                                                                              وقوله : ( فيناديه : خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني ) ; كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ ، وفي الكلام خرم يتلفق بتقدير محذوف ، وهو : فيقول : فأنا عنه غني ، وحينئذ يلتئم الكلام ، فتأمله ، وكثيرا ما يحذف القول الذي للحكاية كقوله: إنما نطعمكم لوجه الله ; أي : يقولون : إنما .

                                                                                              وقوله : ( فإذا رأى أن لا بد منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل )

                                                                                              معنى سلك : أدخل . ويقضمها : يأكلها . يقال : قضمت الدابة شعيرها ، تقضمه ، والقضم بأطراف الأسنان ، والخضم: بالفم كله . وقيل : القضم : أكل اليابس ، والخضم : أكل الرطب ، ومنه قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : تخضمون ونقضم والموعد الله .

                                                                                              وقوله : " ما حق الإبل ؟ فقال : (حلبها على الماء) إلخ . ظاهر هذا السؤال والجواب : أن هذا هو الحق المتوعد عليه فيما تقدم حين ذكر الإبل ، وأنه [ ص: 32 ] كل الحق ، مع أنه لم يتعرض فيه لذكر الزكاة .

                                                                                              وفي هذا الظاهر إشكال تزيله الرواية الأخرى التي ذكر فيها " من " التي هي للتبعيض ، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسرا : (ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها) ، وكذلك قال في الغنم ، وكأن بعض الرواة أسقط في هذه الرواية " من " وهي مرادة ولا بد .

                                                                                              ثم ظاهره : أن هذه الخصال واجبة ، ولا قائل به مطلقا . ولعل هذا الحديث خرج على وقت الحاجة ، ووجوب المواساة ، وحال الضرورة ، كما كان في أول الإسلام . ويكون معنى هذا الحديث : أنه مهما تعينت هذه الحقوق ووجبت ، فلم تفعل ; تعلق بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد ، والله أعلم .

                                                                                              وقوله : ( حلبها يوم وردها ، وحلبها على الماء ) ، كل ذلك بسكون اللام على المصدر ، وهو الأصل في مصدر ما كان على " فعل يفعل " ، وقد جاء على " فعل " - بفتح العين - في الحلب ، فأما الحلب : اسم اللبن ، فبالفتح لا غير ، وليس هذا موضعه .

                                                                                              وخص حلب الإبل بموضع الماء ليكون أقرب على المحتاج والجائع ، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء .

                                                                                              والمنحة " : قال ابن دريد : أصلها أن يعطي الرجل الرجل ناقته يشرب لبنها ، أو شاة ، ثم صارت كل عطية منحة . قال الفراء : يقال : منحته أمنحه [وأمنحه] - بالضم والكسر - .

                                                                                              وقال أبو هريرة : " حق الإبل أن تنحر السمينة ، وتمنح الغزيرة ، ويفقر الظهر ، ويطرق الفحل ، ويسقى اللبن " .

                                                                                              و" إفقار الظهر " : هو إعارة فقار المركوب ، وهو الظهر ، كما قد جاء في الرواية الأخرى .




                                                                                              الخدمات العلمية