الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                النَّظَرُ الثَّانِي : فِيمَا يُجْزِئُ مِنْهَا . وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي جِنْسِهَا . قَالَ اللَّخْمِيُّ : يُخْتَصُّ بِالنَّعَمِ : الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَالْإِبِلُ دُونَ الْوَحْشِ كَانَ لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النَّعَمِ أَمْ لَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) ( الْحَجِّ : 28 ) وَأَفْضَلُهَا الْغَنَمُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْإِبِلُ ، وَقَالَ ( ش ) وَ ( ح ) : أَفْضَلُهَا الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ ؛ لِقَوْلِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا ) الْحَدِيثَ ، وَلِأَنَّ سَدَّ الْخَلَّاتِ مَطْلُوبٌ لِلشَّرْعِ ، وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ أَكْثَرُ ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : ( فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ) وَلَمْ يَقُلْ فِي أَيِّ بَابٍ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْهَدَايَا ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الضَّحَايَا لَيْسَ كَثْرَةَ اللَّحْمِ وَسَدَّ الْخَلَّاتِ بِخِلَافِ الْهَدَايَا لِقَوْلِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ ) وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إِحْيَاءُ قِصَّةِ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ) ( الصَّافَّاتِ : 107 ) قِيلَ : جَعَلْنَاهُ سُنَّةً لِلْآخِرِينَ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَهُ بِالْعَظِيمِ وَلَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْوَصْفُ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إِنَّ الْمُفَدَّى لَمْ تَكُنْ نَفَاسَتُهُ لِعِظَمِ جِسْمِهِ ، بَلْ لِعِظَمِ مَعْنَاهُ ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِدَاؤُهُ تَحْصِيلًا لِلْمُنَاسَبَةِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ ضَحَّى بِالْكَبْشِ ، وَفِي مُسْلِمٍ : ( أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ قَالَ يَا عَائِشَةُ : هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : اشْحِذِيهَا بِحَجَرٍ . فَفَعَلَتْ ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ ) وَحَيْثُ ضَحَّى بِالْبَقَرِ إِنَّمَا كَانَ عَنْ أَزْوَاجِهِ . وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : أَفْضَلُهَا الْغَنَمُ ثُمَّ الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ، وَقَالَ أَيْضًا : الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ لِمَنْ هُوَ بِمِنًى ; لِأَنَّهُ لَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِ ، بَلْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْهَدْيِ . وَذُكُورُ كُلِّ جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ إِنَاثِهِ ، وَإِنَاثُهُ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنْسِ الْآخَرِ ، وَقَالَ أَيْضًا : الذُّكُورُ ، وَالْإِنَاثُ سَوَاءٌ ، وَالْفَحْلُ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْخَصِيِّ لِشَبَهِهِ بِالْأُنْثَى ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الْخَصِيُّ السَّمِينُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَحْلِ الْهَزِيلِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوئَيْنِ ) أَيْ خَصِيَّيْنِ ; لِأَنَّ الْوِجَاءَ الْقَطْعُ . فَائِدَةٌ مِنَ الْإِكْمَالِ : الْأَمْلَحُ : الْأَبْيَضُ كَلَوْنِ الْمِلْحِ يَشُوبُهُ سَوَادٌ مُمَازِجٌ ، وَالَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضَهُ حُمْرَةٌ ، أَوْ سَوَادٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ ، أَوْ بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ ، أَوْ فِي خِلَالِ بَيَاضِهِ طَبَقَاتُ سَوَادٍ ، أَوِ النَّقِيُّ الْبَيَاضِ . سِتَّةُ أَقْوَالٍ . فَرْعٌ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ : الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا إِنْ كَانَتِ الْإِنَاثُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْعَامِ لَا تُجْزِي اتِّفَاقًا ; لِأَنَّ الْحَيَوَانَ غَيْرَ النَّاطِقِ إِنَّمَا يَلْحَقُ بِأُمِّهِ ، وَلِذَلِكَ إِنَّمَا يُسَمَّى يَتِيمًا إِذَا مَاتَتْ أُمُّهُ ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَنْعَامِ ، فَالْإِجْزَاءُ ; لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ ، وَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ ; لِأَنَّ مَوْرِدَ الشَّرْعِ مَا خَلُصَ مِنَ الْأَنْعَامِ ، وَهَذَا لَمْ يَخْلُصْ . فَائِدَةٌ : الْأَنْعَامُ وَالنَّعْمَةُ وَالنَّعَمُ وَالنَّعْمَاءُ وَالنَّعِيمُ . قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الزِّينَةِ : هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَفْظَةِ ( نَعَمْ ) فِي الْجَوَابِ ; لِأَنَّهَا تَسُرُّ النُّفُوسَ غَالِبًا ، فَاشْتُقَّ اسْمُ مَا يَسُرُّ مِنْهَا ، وَقِيلَ : النَّعَمُ مِنْ نَعَامَةِ الرِّجْلِ ، وَهِيَ صَدْرُهَا ، وَهِيَ تَمْشِي عَلَى صُدُورِ أَرْجُلِهَا ، فَسُمِّيَتْ نَعَمًا .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية