الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية

6726 7145 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي - رضي الله عنه - قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية ، وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى . قال : عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ، ثم دخلتم فيها . فجمعوا حطبا فأوقدوا فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض ، قال بعضهم إنما تبعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فرارا من النار ، أفندخلها ؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه ، فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ، إنما الطاعة في المعروف" . [انظر : 4340 - مسلم : 1840 - فتح: 13 \ 122 ] .

[ ص: 437 ]

التالي السابق


[ ص: 437 ] ذكر فيه حديث أبي التياح وهو لقب ، واسمه يزيد بن حميد وكنيته أبو حماد عن أنس - رضي الله عنه - : "اسمعوا وأطيعوا . . " . الحديث ، وسلف في الصلاة .

وحديث أبي رجاء واسمه عمران بن ملحان العطاردي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من رأى من أميره شيئا يكرهه " . وسلف قريبا

وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وحديث علي - رضي الله عنه - في السرية سلف في المغازي .

وفيها أجمع وجوب السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية ومثل ذلك الولد لوالده والعبد في حق سيده .

فصل :

فإن ظن ظان أن في حديث أنس وابن عباس - رضي الله عنهما - حجة لمن أقدم على معصية الله بأمر سلطان أو غيره ، وقد وردت الأخبار بالسمع والطاعة لولاة الأمر فقد ظن خطأ ، وذلك أن أخباره لا يجوز أن تتضاد ، ونهيه وأمره لا يجوز أن يتناقض أو يتعارض ، وإنما الأخبار الواردة بالسمع والطاعة لهم ما لم يكن خلافا لأمر الله ورسوله ، فإذا كان خلافا لذلك فغير جائز لأحد أن يطيع أحدا في معصية الله ومعصية رسوله ، وبنحو ذلك قال عامة السلف ، وساق ابن جرير من قول علي - رضي الله عنه - : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ، ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا [ ص: 438 ] له ويطيعوا ، وروي مثله عن معاذ بن جبل .

فصل :

قال المهلب : قوله : "اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشي " لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد إلا إمام قرشي ؛ لما تقدم أنه لا يجوز الإمام إلا في قريش .

وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة في العبد أي : في الحديث في الإمارة لا في الخلافة ، يؤيده قوله : "وإن استعمل عليكم عبد حبشي " يريد : الإمام الخليفة كما يروى : "استعمل عبدا " ، والحبش من جنس السودان .

فصل :

وقوله : "من رأى شيئا يكرهه فليصبر " . يعني : من الظلم والجور ، فأما من رأى شيئا من معارضة الدين ببدعة أو قلب شريعة فليخرج من تلك الأرض ويهاجر منها ، وإن أمكنه إمام عادل .

فصل :

والميتة في قوله : "مات ميتة " . بكسر الميم كجلسة .

وقوله في حديث علي : (وأمر عليهم رجلا من الأنصار ) هو عبد الله بن حذافة السهمي .

[ ص: 439 ] (وعزمت عليكم ) : بفتح الزاي .

وقوله : (لما جمعتم حطبا ) . هو (لما ) بمعنى (إلا ) مشدد ، حكى سيبويه : تقول : نشدتك الله لما فعلت ، أي : إلا فعلت . وفي "الصحاح" وقول من قال : (لما ) بمعنى (إلا ) ليس يعرف في اللغة .

وقوله : (خمدت النار ) . هو بفتح الميم ، وضبط بكسرها وليس بمعروف في اللغة ، ومعنى (خمدت ) : سكن لهبها ولم يطفأ جمرها ، وهدت إذا طفئ جمرها .

وقوله : ("لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا " ) . قال الداودي : إن كان محفوظا فيحتمل أن يريد تلك النار نفسها فيموتوا فيها ، ليس أنهم يخلدون في جهنم ؛ لقوله : "يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " .

قال : وهذا من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب ، وقال المهلب : الأبد يراد به ههنا أبد الدنيا ؛ لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء : 48 ] ، ومعلوم أن الذين هموا بدخول النار لم يكفروا بذلك ، فيجب عليهم التخليد أبد الآخرة ، ألا ترى قولهم : (إنما تبعنا رسول الله فرارا من النار ) .

يدل هذا أنه أراد - عليه السلام - لو دخلوها لماتوا فيها ولم يخرجوا منها مدة الدنيا .

[ ص: 440 ] فصل :

قال القاضي أبو بكر بن الطيب : أجمعت الأمة أنه يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته كفره بعد إيمانه ، وتركه إقامة الصلاة والدعاء إليها .

واختلفوا إذا كان فاسقا ظالما غاصبا للأموال يضرب الأبشار ويتناول النفوس المحرمة ، ويضيع الحدود ، ويعطل الحقوق، فقال كثير من الناس : يجب خلعه لذلك .

وقال الجمهور من الأئمة وأهل الحديث : لا يخلع بهذه الأمور ، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته فيما يدعو إليه من المعاصي .

واحتجوا بحديث الباب حديث أنس ، وأمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر ، ويروى أنه قال : "أطعهم ، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك ما أقاموا الصلاة " .

قال القاضي أبو بكر : ومما يوجب خلعه الجنون المطبق وذهاب تمييزه حتى ييأس من صحته ، والصمم والخرس والكبر والهرم ، أو عرض له أمر يقطعه عن مصالح الأمة ؛ لأنه إنما نصب لذلك ؛ فإذا عطل ذلك وجب خلعه .

ولذلك إن جعل مأسورا في أيدي العدو إلى مدة يخاف معها الضرر الداخل على الأمة ، وييأس من خلاصه وجب الاستبدال به ، فإن فك [ ص: 441 ] أسره وثاب عقله أو برئ من مرضه وزمانته لم يعد إلى أمره ، وكان رعية للقائم ؛ لأنه عقد له (عقد حلف ) وخروجه من الحق فلا حق له فيه ولا يوجب خلعه حدوث فعل في غيره كما يقول أصحابنا : إن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد لا يوجب خلعه ، ولو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد ووجب العدول عنه . وأمثال هذا في الشريعة كثير ، منها : رؤية الماء للمتيمم قبل الدخول في الصلاة يوجب الوضوء ، ولو طرأ عليه وهو فيها لم يلزمه . أي : إن كانت مما يسقط فرضها بالتيمم ، وكذلك لو وجبت عليه الرقبة في الكفارة وهو موسر لم يجزئه غيرها ، ولو حدث له اليسار بعد مضيه في شيء من الصيام لم يبطل حكم صيامه ، ولا لزمه غيره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث