الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              6690 7105 ، 7106 ، 7107 - حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة : كنت جالسا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار ، فقال أبو مسعود : ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك ، وما رأيت منك شيئا منذ صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر . قال عمار : يا أبا مسعود ، وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئا منذ صحبتما النبي - صلى الله عليه وسلم - أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر . فقال أبو مسعود -وكان موسرا - يا غلام هات حلتين . فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارا وقال روحا فيه إلى الجمعة . [انظر : 7102 ، 7103 ، 7104 - فتح: 13 \ 54 ] .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              حدثنا أبو نعيم ، عن ابن أبي غنية -وهو بغين معجمة (مفتوحة ) ثم نون ، ثم مثناة تحت ، ثم هاء ، واسمه عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الكوفي أصبهاني ، وهو والد يحيى بن عبد الملك . اتفقا عليه - عن [ ص: 364 ] الحكم ، عن أبي وائل : قام عمار على منبر الكوفة ، فذكر عائشة - رضي الله عنها - وذكر مسيرها وقال : إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ، ولكنها مما ابتليتم .

                                                                                                                                                                                                                              ثم ساق من حديث أبي وائل قال : دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار ، حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم . فقالا : ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت . فقال عمار : ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر . وكساهما حلة حلة ، ثم راحوا إلى المسجد . وحديث أبي حمزة : - (بالحاء والزاي ) واسمه محمد بن ميمون السكري المروزي ، مات سنة ثمان وستين ومائة - عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة قال : كنت جالسا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار - رضي الله عنه - فقال أبو مسعود : ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك ، وما رأيت منك شيئا منذ صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر . قال عمار : يا أبا مسعود ، وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئا منذ صحبتما النبي - صلى الله عليه وسلم - أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر . فقال أبو مسعود -وكان موسرا - يا غلام هات حلتين . فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارا ، وقال : روحا فيهما إلى الجمعة .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 365 ] الشرح :

                                                                                                                                                                                                                              زعم الإسماعيلي أن أبا حمزة روى حديث ( حذيفة ) عن الأعمش ، عن أبي وائل عن مسروق ، قال عمر - رضي الله عنه - : إنكم تحدثونا عن الفتنة . قال : كذا عن مسروق ، وخالفه الناس فقالوا : عن الأعمش ، عن أبي وائل ، فذكر حديث البخاري . وحديث حذيفة وأبي موسى من أعلام النبوة ؛ لأن فيهما الإخبار عما يكون من الفتن والغيب ، وذلك لا يعلم إلا بالوحي . وقال الخطابي : إنما كان يسأل حذيفة عن الشر ؛ ليعرف موضعه فيتوقاه ، وذلك أن الجاهل بالشر أسرع إليه وأشد وقوعا فيه ، ويروى عن بعض السلف أنه قيل له : إن فلانا لا يعرف الشر . قال : ذلك أجدر أن يقع فيه ، ولهذا صار عامة ما يروى من أحاديث الفتن وأكثر ما يذكر من أحوال المنافقين منسوبة إليه ومأخوذة عنه ، وقال غيره : وإنما نكبه حذيفة حين سأله عمر عن الفتنة ، فجاوبه عن فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره ، ولم يجاوبه عن الفتنة الكبرى التي تموج كموج البحر ، لئلا تغمه ويشتغل باله ، ألا ترى قوله لعمر : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا . ولم يقل له : أنت الباب ، وهو يعلم أن الباب عمر ، فإنما أراد حذيفة ألا يواجهه بما يشق عليه ويهمه ، وعرض له بما فهم عنه عمر أنه هو الباب ، ولم يصرح له به ، وهذا من أحسن أدب حذيفة .

                                                                                                                                                                                                                              فإن قلت : فمن أين علم عمر أن الباب إذا كسر لم يغلق أبدا ؟ فالجواب : أنه استدل عمر على ذلك بأن الكسر لا يكون إلا غلبة ، [ ص: 366 ] والغلبة لا تكون إلا في الفتنة ، وقد علم عمر وغيره من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل ربه أن لا يجعل (بأس ) أمته بينهم فمنعها ، فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة . وروى معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء الرحبي ، عن شداد بن أوس مرفوعا : "إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة " .

                                                                                                                                                                                                                              وفيه : أن الصحابة كان يأخذ بعضهم العلم عن بعض ، ويصدق بعضهم بعضا ، وكلهم عدول - رضي الله عنهم - وهم خير أمة أخرجت للناس .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              وفي حديث أبي موسى : البشرى بالجنة لأبي بكر وعمر وعثمان إلا أنه قال في عثمان : "مع بلاء يصيبه " . وكان ذلك البلاء أنه قتل مظلوما شهيدا .

                                                                                                                                                                                                                              فإن قلت : فكيف خص عثمان بذكر البلاء ، وقد أصاب عمر مثله ؛ لأنه طعنه أبو لؤلؤة ، ومات من طعنته شهيدا .

                                                                                                                                                                                                                              فالجواب : أن عمر - رضي الله عنه - وإن كان مات من الطعنة شهيدا ، فإنه لم يمتحن بمحنة عثمان من تسلط طائفة باغية متغلبة عليه ، ومطالبتهم له أن ينخلع من الإمامة ، وهجومهم عليه في داره وهتكهم ستره ، ونسبتهم إليه الجور والظلم ، وهو بريء عند الله من كل سوء بعد أن منع المانع أشياء كثيرة يطول إحصاؤها ، وعمر لم يلق مثل هذا ، ولا تسور عليه (أحد ) داره ، ولا قتله موحد فيحاجه بها عند الله ، [ ص: 367 ] ولذلك حمد الله عمر على ذلك ، فكان الذي أصاب عثمان غير قتله من البلاء بلاء شديدا لم يصب عمر مثله .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              وقول أبي وائل : (قيل لأسامة : ألا يكلم هذا ؟ ) مع أشياء كثيرة يعني : عثمان بن عفان أن يكلمه في شأن الوليد بن عقبة - لأنه ظهر عليه ريح نبيذ وشهر أمره ، وكان أخا عثمان لأمه ، وكان عثمان يستعمله على الأعمال ، فقيل لأسامة : ألا تكلمه في أمره ؟ لأنه كان من خاصة عثمان وممن يخف عليه ، فقال : (قد كلمته ) أي : فيما بيني وبينه .

                                                                                                                                                                                                                              و (ما دون أن أفتح بابا أكون أول من يفتحه ) . يريد : لا أكون أول من يفتح باب الإنكار على الأئمة علانية ، فيكون بابا من القيام على أئمة المسلمين ، فتتفرق الكلمة وتتشتت الجماعة ، كما كان بعد ذلك من تفريق الكلمة بمواجهة عثمان (بالنكير ) ، ثم عرفهم أنه لا يداهن أميرا أبدا بل ينصح له في السر جهده بعد ما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في الرجل الذي كان في النار كالحمار يدور برحاه من أجل أنه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله ، وينهى عن الشر ويفعله ، يعرفهم أن هذا الحديث جعله أن لا يداهن أحدا ، يتبرأ إليهم مما ظنوا به عن سكوته عن عثمان في أخيه .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              فإن قلت : الإنكار على الأمراء في العلانية من السنة لما روى [ ص: 368 ] سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن طارق بن شهاب أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الجهاد أفضل ؟ قال : "كلمة حق عند سلطان جائر " .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : واختلف السلف في تأويله - كما قال الطبري .

                                                                                                                                                                                                                              فقيل : إنه محمول على ما إذا أمن على نفسه القتل أو أن يلحقه من البلاء ما لا قبل له به ، وهو مذهب أسامة بن زيد ، وروي عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة . وروي عن مطرف بن الشخير أنه قال : والله لو لم يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه ألف سيف ، فأنبذ إليه كلمة فيقتلني ، إن ديني إذا لضيق .

                                                                                                                                                                                                                              وقيل : الواجب على من رأى منكرا من ذي سلطان أن ينكره علانية ، وكيف أمكنه ، روي ذلك عن عمر وأبي ، واحتجوا بقوله - عليه السلام - : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده " .الحديث ، وبقوله - عليه السلام - : " إذا هابت أمتي أن يقولوا للظالم : يا ظالم فقد تودع منهم " .

                                                                                                                                                                                                                              وقيل : من رأى من سلطانه منكرا فالواجب عليه أن ينكره بقلبه فقط . واحتجوا بحديث أم سلمة مرفوعا : "يستعمل عليكم أمراء بعدي تعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع " قالوا : يا رسول الله ، أفلا نقاتلهم ؟ قال : "لا ، ما صلوا " .

                                                                                                                                                                                                                              والصواب -كما قال الطبري - أن الواجب على كل من رأى منكرا أن ينكره إذا لم يخف على نفسه عقوبة لا قبل له بها ؛ لورود الأخبار عن [ ص: 369 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسمع والطاعة للأئمة ، وقوله - عليه السلام - : "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه " . قالوا : وكيف يذل نفسه ؟ قال : "يتعرض من البلاء لما لا يطيق " .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              فإن قلت في حديث أسامة : كيف صار الذي كان يأمرهم وينهاهم معهم في النار وهو لهم آمر وناه ؟ قيل : لم يكونوا أهل طاعته ، وإنما كانوا أهل معصيته .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              وأما حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - فإن في ظاهره توهينه لرأي عائشة - رضي الله عنها - في الخروج .

                                                                                                                                                                                                                              قال المهلب : وليس كذلك ؛ لأن الأمر بالمعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة وعلى الخروج معها ولم يكن خروجها على نية القتال ، وإنما قيل لها : اخرجي لتصلحي بين الناس فإنك أمهم ولن يعنوك بقتال . فخرجت لذلك ، وكانت نية بعض أصحابها إن ثبت لهم البغي أن يقاتلوا التي تبغي ، وكان منهم أبو بكرة ، ولم يرجع عن هذا الرأي أصلا وإنما تشاءم بقول الشارع في تمليك فارس امرأة أنهم يغلبون . لأن الفلاح في اللغة البقاء ، لا أن أبا بكرة وهن رأي [ ص: 370 ] عائشة ، ولا في الإسلام أحد يقوله إلا الشيعة ، فلم يرد أبو بكرة بكلامه إلا أنهم يغلبون إن قوتلوا ، وليس الغلبة بدلالة على أنهم على باطل ؛ لأن أهل الحق قد يغلبون وتكون لهم العاقبة ، كما وعد الله المتقين ، وذلك عيان في الصحابة يوم حنين وأحد ، وجعل الله لهم العاقبة كما جعلها لمن غضب لعثمان وأنف من قتله وطلب دمه ، وليس في الإسلام أحد يقول أن عائشة دعت إلى أمير معها ، ولا عارضت عليا في الخلافة ، ولا نازعته لأخذ الإمارة ، وإنما أنكرت عليه منعه من قتلة عثمان ، وتركهم دون أن يأخذ منهم حدود الله ، ودون أن يقتص لعثمان منهم ، لا غير ذلك ، وهم الذين خشوها وخشوا على أنفسهم فورشوا ودسوا في جمع عائشة من يقول لهم : إن عليا يقاتلكم فخذوا حذركم (وسلوا ) سلاحكم . وقالوا لعلي : إنهم يريدون أن يخلعوك ويقاتلوك على الإمارة . ثم استشهدوا بما يرونه من أخذ أصحاب الجمل بالحزم وتعبئة الصفوف وسل السلاح ، ثم يقولون له : هل يفعلون ذلك إلا لقتالك ؛ حتى حركوه وكانوا أول من رمى فيهم بالسهام ، وضربوا بالسيوف والرماح حتى اشتبك القتال ، ووقع ما راموه ، وكان في ذلك خلاصهم بما خشوه من اجتماع الفريقين على الاستقادة لعثمان منهم ، هذا أحسن ما نقل في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              وأما حديث أبي موسى وأبي مسعود حين دخلا على عمار حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة أن يستنفرهم ، فجرى بينهم ما جرى من تقبيح رأي [ ص: 371 ] عمار وإسراعه في الفتنة بالخروج ، وكشف الوجه ، وقد علم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حمل السلاح على المسلمين (ثم ) توبيخ عمار (رأيهما ) على قعودها عن ذلك ، وكل فريق منهم مجتهد ، له وجه في الصواب ، وكان اجتماعهم عند أبي مسعود بعد أن خطب عمار الناس على المنبر بالنفير ، وكان أبو مسعود كثير المال جوادا ، وكان ذلك يوم جمعة فكساهما حلتين (ليشهدا بهما ) الجمعة ؛ لأن عمارا كان في ثياب السفر وهيئة الحرب ، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب ، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى ؛ لأنه كان كريما .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              قوله في الشعر السالف : (الحرب أول ما تكون فتية ) . هو مثل ، فشبه ابتداءها بالشابة ، والحرب مؤنثة ، قال الخليل : تصغيرها حريب -بلا هاء - (رواه ) عن العرب . قال المازري : لأنه في الأصل مصدر . وقال المبرد : قد تذكر الحرب ، وأنشد عليه . قال سيبويه : بعضهم يرفع (أول ) و (فتية ) على أنه أنث الأول بقوله : فتية ؛ لأنه مثل : ذهبت بعض (أصحابه ) ومن نصب (أول ) على أنه في ذلك (الحال ) ، ورفع (فتية ) على أنها خبر عن الحرب ، ويعني الحرب

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 372 ] أول أحوالها إذا كانت فتية . وأجاز غير سيبويه إذا روي الحرب أول ما تكن فتية أن تكون فتية ، وقدره بمعنى إذا كانت فتية جعل (فتية ) حالا وتؤنث (أول ) على ما تقدم ، وزعم المبرد أن تقديره : أول ما تكون وتسعى فتية ثم تقدم الحال ، وحكى أيضا غير ما رواه سيبويه ، وهو أن يروى : الحرب أول . أي : أنها أول شيء في هذه الحال .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (وشب ضرامها ) قال ابن التين : هو بضم الشين أي : اتقدت نارها .

                                                                                                                                                                                                                              يقال : شب النار والحرب إذا أوقدتا ، والضرام -بالكسر - إشعال النار في الحلفاء وغيرها .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (ولت عجوزا غير ذات حليل ) . أي : صارت لا أرب فيها ، ولا تراد ، والحليل : الزوج . جزم به ابن التين . وضبطه الدمياطي بالأصل بخاء معجمة ، وفي الحاشية بحاء مهملة .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (شمطاء ) أي : شاب رأسها ، والشمط : بياض شعر الرأس يخالطه سواد ، والرجل أشمط والمرأة شمطاء . وقال الداودي : يعني كثيرة الشيب .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (ينكر لونها ) . أي : يبدل حسنها بقبح .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (مكروهة للشم ) . أي : تغير فوها بالبخر .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              قوله في حديث حذيفة : "فتنة الرجل في أهله " يعني : ما لا يكاد الزوجان يسلمان منه .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 373 ] وقوله : "ماله" يعني : أن المجتهد وإن تحفظ لا يسلم في المال إذا اكتسبه .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : ("تكفرها الصلاة " ) . أي : لأن الصلاة كفارات لما بينهن إلا حقوق العباد والحدود .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (بل يكسر ) . أي : يقتل عمر ولا يموت حتف أنفه ، قاله الداودي .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (أجل ) أي : نعم ، قال الأخفش : إلا أنه (مثل : نعم ) في التصديق ، ونعم أحسن منه في الاستفهام إذا قال : أنت سوف تذهب . قلت : أجل ، (وكان أحسن من نعم ، فإذا قال : تذهب ؟ قلت : نعم ، كان أحسن من أجل ) ، وكذلك هو ههنا في التصديق ، وكان عمر - رضي الله عنه - يعلم أنه شهيد ، ولكن الشهادة قد تكون من غير القتل ، وكان رأى ديكا نقره في ظهره ثلاثا ، فذكره لأسماء بنت عميس - رضي الله عنها - فقالت : يطعنك علج ثلاث طعنات . وكان يدعو : اللهم (إني أسألك ) شهادة في سبيلك ، ووفاة ببلد رسولك . كما سلف ، وقال لما طعن وأخبر بمن طعنه : الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يدي رجل قد صلى لله (صلاة ) يحاجني بها عند الله .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 374 ] وقوله : (حدثته حديثا ليس بالأغاليط ) . أي : حديث صدق ولا غلط فيه ، والأغلوط ما يغلط به من المسائل . وقال الداودي : أي ليس بالحديث الذي يتهاون فيه أو يغفل عن شيء منه لغطا عنه ؛ لأنه أول (شيء ) يدخل على هذه الأمة .

                                                                                                                                                                                                                              (فهبنا أن نسأله ) يعني : حذيفة .

                                                                                                                                                                                                                              وفيه : هيبة العالم . قال ابن عيينة : رأيت مالكا وهو عند زيد بن أسلم وهو يسأله عن حديث عمر في الفرس الذي حبس ، ومالك يذكر له (الكلمة بعد الكلمة ) أو يتلفظه ، وكان عبيد بن عبد الله يتلفظ ابن عباس ، فكان يحزن عنه .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              قول أبي موسى : (لأكونن اليوم بواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرني ) كذا هنا ، وفي حديث آخر : (أمرني بحفظ الباب ) . قال الداودي : وهذا اختلاف ليس المحفوظ إلا أحدهما . قلت : يجوز أن يكون ذاك أولا والآخر ثانيا .

                                                                                                                                                                                                                              والقف -بضم القاف ثم فاء - هو الدكة التي تجعل حولها ، وأصل القف ما غلظ من الأرض وارتفع أو هو من القف اليابس ؛ لأن ما ارتفع حول البئر يكون يابسا في الغالب ، والقف أيضا واد من أودية المدينة عليه مال لأهلها . واقتصر ابن بطال على قول صاحب "العين " : القف : ما ارتفع من الأرض ونحوه . وقال ابن فارس : إنه ما ارتفع من [ ص: 375 ] (متن ) الأرض . وعبارة الداودي : ما حوله .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (فكشف عن ساقيه ) يؤخذ منه أنه ليس بعورة .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله في عثمان : ("وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه " ) . أخبره بذلك ؛ ليستعمل الصبر عند البلاء ففعل ، وقال الداودي : وفيه أن ابن المسيب (كان ) من إحسانه لعبارة الرؤيا يعبر ما يشبهها ، يعني بقوله : فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت ههنا ، وانفرد عثمان .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              قوله : (وقيل لأسامة : ألا (تكلم هذا ؟ ) يعني : عثمان كما أسلفناه . فأخبر أنه يكلمه سرا ، وكان أسامة على حداثته فاضلا ويستحق وعظ الأئمة .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (لا أقول لرجل أنت ) هذا من المعاريض والتحذير للأئمة من الجور ، وقد علم فضل عثمان .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : ("كنت آمر بالمعروف ولا أفعله " ) . يعني : يكثر منه ويفعل يسيرا ويكثر النهي ولا يرجع عنه ، وقيل لابن جبير : أيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من فيه شيء ؟ فقال : ومن يسلم من هذا . وقاله مالك ، وقال الحسن لمطرف بن عبد الله بن الشخير : ألا تعظ الناس ؟ قال : أخشى أن أقول ما لا أفعل . قال : يغفر الله لك ، ود الشيطان أن لو ظفر منكم بمثل هذا ، فالمأذون له في ذلك هو المتحدي بحدود [ ص: 376 ] الإسلام ، ولا شك أنه لم يأمر ، ونية الأمر لا شيء فقد سقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأدى ذلك إلى قوله هذا ، وهذا فاسد . وقد ذكر بعض الأصوليين : أن الصحيح من هذا ما عليه جماعة الناس ؛ إذ متعاطي الكأس يجب عليه نهي جماعة الجلاس . وقال مالك : ليس المتحدي بحدود الإسلام كاللاعب فيه الذي يسرو أو يلعب .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              قول أبي بكرة - رضي الله عنه - : (لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل ) . يريد قوله : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (ملكوا ابنة كسرى ) -هو بكسر الكاف وفتحها - وهو لقب ملوك الفرس ، وعبارة ابن خالويه : أنه اسم له ، وأتى بقوله : "لن يفلح . . " . إلى آخره ؛ لطاعتهم لعائشة ، ذكر أن اللغط كثر يوما وارتفعت أصواتهم ، فقالت : صه . فكأنما قطعت الألسن . وذكر عن علي - رضي الله عنه - : قاتلت خمسة : أطوع الناس . يعني : عائشة ، وأشجع الناس يعني : الزبير ، وأمكر الناس يعني : في الحروب ، يريد طلحة بن عبيد الله ، وأعبد الناس : يريد محمد بن طلحة (بن عبد الله ) ، وأعطى الناس ، يريد : يعلى بن منية . كان يعطي الرجل مائتي دينار ، وهو واهب الجمل لعائشة واشتراه بمائتي دينار واسمه عسكر .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 377 ] فصل :

                                                                                                                                                                                                                              واحتج به من منع قضاء المرأة وهو مذهبنا ، ومشهور مذهب مالك . وولى عمر الشفاء أم سليمان خاتمة بالسوق ، وقاله ابن جرير الطبري ، يعني : فيما يجوز شهادتهن فيه .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              وصعود الحسن على المنبر فوق عمار ؛ لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولأنه ابن الخليفة ، وكان عمار من جلة الصحابة أيضا ، وهو من أهل بدر ، وفيه أنزلت : إلا من أكره [النحل : 106 ] وقتل يوم صفين .

                                                                                                                                                                                                                              فصل :

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (إنها زوجة نبيكم ) قدم فضلها قبل أن يخبر بما ابتلوا به فيها ، ودل قول أبي بكرة أنه لولا عائشة لكان مع طلحة والزبير ؛ لأنه لو تبين له خطؤهما لكان مع علي . ومحاورة أبي مسعود وأبي موسى (تبين ) لعمار أن الحق مع علي فقاتل معه ، وأشكل على أولئك فتوقفوا .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية