الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم

6750 7171 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم ، عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتته صفية بنت حيي ، فلما رجعت انطلق معها ، فمر به رجلان من الأنصار ، فدعاهما فقال : "إنما هي صفية " . قالا : سبحان الله! قال : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " . رواه شعيب وابن مسافر وابن أبي عتيق وإسحاق بن يحيى ، عن الزهري ، عن علي -يعني ابن حسين - عن صفية ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . [انظر : 2035 - مسلم : 2175 - فتح: 13 \ 158 ] .

التالي السابق


ثم ساق حديث أبي محمد ، واسمه نافع مولى أبي قتادة عن مولاه أبي قتادة - رضي الله عنه - في قصة الدرع الذي اشترى مخرفا ، وفيه : فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : كلا ، لا يعطه (أصيبغ ) من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله . قال : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأداه إلي . فاشتريت منه خرافا فكان أول مال تأثلته وقال لي عبد الله بن صالح ، عن الليث : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فأداه إلي ، وقال أهل الحجاز : الحاكم لا يقضي بعلمه ، شهد بذلك في ولايته أو قبلها . ولو أقر خصم عنده لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم ، [ ص: 516 ] حتى يدعو بشاهدين فيحضرهما إقراره . وقال بعض أهل العراق : ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به ، وما كان في غيره لم يقض إلا بشاهدين . وقال آخرون منهم بل يقضي به لأنه مؤتمن ، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق ، فعلمه أكثر من الشهادة . وقال بعضهم : يقضي بعلمه في الأموال ، ولا يقضي في غيرها . وقال القاسم : لا ينبغي للحاكم أن يمضي قضاء بعلمه دون علم غيره ، مع أن علمه أكثر من شهادة غيره ، ولكن فيه تعرضا لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاعا لهم في الظنون ، وقد كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الظن فقال : "إنما هذه صفية " .

ثم (ساق ) حديث صفية بعد من حديث الزهري عن علي بن حسين أنه - صلى الله عليه وسلم - ، أتته صفية . . الحديث . ثم قال : رواه سعيد وابن مسافر وابن أبي عتيق وإسحاق بن يحيى ، عن علي بن حسين ، عن صفية ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

الشرح :

معنى الترجمة : أن الشهادة التي تكون عند القاضي في ولايته القضاء أو قبل ذلك لا يجوز له أن يقضي بها وحده ، وله أن يشهد بها عند غيره من الحكام ، كما قال مالك ، وكذلك قول شريح ، وهو قول عمر وابن عوف أن شهادته كشهادة رجل من المسلمين ، واستشهد على ذلك بقول عمر : إنه كان عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن ، فلم يجز له أن يلحقها بنص المصحف المقطوع بصحته لشهادته وحده ، وقد أفصح عمر - رضي الله عنه - بالعلة في ذلك ، فقال : لولا . . إلى آخره ، وعرفك أن ذلك من باب قطع الذرائع ؛ لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدعوا العلم لمن أثبتوا له الحكم أنه على حق .

[ ص: 517 ] وأما ما ذكر من إقرار ماعز عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكمه عليه بالرجم دون أن يشهد لمن حضره ، وكذلك إعطاؤه - عليه السلام - (السلب ) لأبي قتادة بإقرار الرجل الذي كان عنده وحده مع ما انضاف إلى ذلك من علمه - عليه السلام - ، ألا ترى قوله في الحديث : فعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني : علم أن أبا قتادة هو القاتل ، فهو حجة في قضاء القاضي بعلمه ، وهو خلاف ما ذكره البخاري في أول الباب عن شريح ، ومن بعده . فأورد البخاري في الباب اختلاف أهل العلم ، وحجة الفريقين من الحديث بإقرار ماعز .

وحديث أبي قتادة حجة لأهل العراق في القضاء بعلمه وشهادته .

وحديث صفية ، وعمر - رضي الله عنهما - في آية الرجم حجة لأهل الحجاز أن (القاضي لا يقضي بعلمه ) خوف التهمة ؛ لأنه - عليه السلام - كان أبعد الخلق منها ، ولم يقنع بذلك حتى قال : "إنها صفية " . فغيره ممن ليس بمعصوم أولى لخوف التهمة ، وإنما فعل ذلك - عليه السلام - ليسن لأمته البعد عن مواضع التهم .

وقد سلف قريبا اختلاف العلماء في ذلك .

والذي ذهب إليه أهل الحجاز هو قول ابن القاسم وأشهب ومحمد بن المواز إذ كان معنى ذلك إنما يقضي بعلمه بما يقع في مجلس حكمه ، وأشهد عنده به ، وبه وبقول أهل العراق قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ ، وأخذ به سحنون .

[ ص: 518 ] قال بعض الشيوخ : وبه جرى العمل وهو الاستحسان .

وقد رد بعض الشيوخ حجة أهل العراق بحديث ماعز وأبي قتادة ، فقال : ليس فيهما أنه - عليه السلام -[قضى بعلمه ؛ لأن ماعزا إنما كان إقراره عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بحضرة الصحابة إذ معلوم أنه ] كان لا يقعد وحده .

وقصة ماعز مشهورة ، رواها خلق عنه منهم أبو هريرة وابن عباس وجابر ، فلم يحتج - عليه السلام - أن يشهدهم على إقراره ؛ لسماعهم ذلك منه ، وكذلك حديث أبي قتادة والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح عن الليث : (فقام - عليه السلام - فأداه إلي ) .

وفي كتاب ابن بطال : فأداه إلى من له بينة ، قال : (ورواه ) قتيبة عن الليث : (فعلم - عليه السلام - ) وهم منه ، ويشبه أن تتصحف (فعلم ) بقوله (فقام ) ، فلم يقض فيه بعلمه .

قلت : قتيبة لا يقاس بعبد الله بن صالح في حفظه مع أن رواية قتيبة لا أعرفها .

[ ص: 519 ] قال : ويدل على ذلك أن منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما نادى يوم حنين : "من قتل قتيلا له عليه بينة فسلبه له " ، فشرط أخذ السلب لمن أقام البينة ، وأول القصة لا يخالف آخرها ، وشهادة الرجل الذي كان عنده سلب أبي قتادة شهادة قاطعة لأبي قتادة ، لو لم تكن في مغنم ، وكان من الحقوق التي ليس للشارع أن يعطي منها أحدا إلا باستحقاق البينة ، والمغانم مخالفة لذلك ؛ لأنه - عليه السلام - له أن يعطي منها من شاء ويمنع من شاء ؛ لقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه [الحشر : 7 ] فلا حجة لأهل العراق فيه .

فصل :

قوله : فيما مضى (أصيبغ ) . يصفه بالضعف والعجز والهوان ، شبهه بالأصيبغ وهو نوع من الطير ضعيف ، وقيل : شبهه بالصبغاء وهو نبت معروف كالثمام ، ويروى بالضاد المعجمة والعين المهملة تصغير ضبع على غير قياس تحقيرا له . وقد أسلفنا ذلك في موضعه أيضا .

فصل :

قوله في حديث أبي قتادة : فاشتريت منه خرافا . أي : (ذا خراف ) ، يقال : خرفت النخلة أخرفها خرافا وخرافا وخرافة ، أي : أجتنيها ، أو (مخرفا ) سماه بالمصدر الذي هو خراف ، كما قال : ذا خصم وزور وعدل ، والمخرف بكسر الميم ما يجنى به التمر ، وبالفتح يقع على النخل والرطب .

[ ص: 520 ] ومعنى : (تأثلته ) : اعتقدته وجمعته وتأصلته ، وأثلة الشيء أصله ، يقال : مؤثل أي : مجموع ذو أصل ، ويقال : من ذا الذي يتحنث أصلنا ، أي : يطعن في نسبنا .

فصل :

ابن مسافر السالف : اسمه عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي ، مولى الليث بن سعد من فوق . وابن أبي عتيق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، انفرد بهما البخاري عن مسلم .

فصل :

ترجمة البخاري فيه دليل على أن الحاكم إنما يشهد عند غيره بما تقدم عنده من شهادة في ولايته أو قبلها ، وهو قول مالك وأكثر أصحابه ، وقول بعض أصحابنا : يحكم بعلمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في مجلسه .

فصل :

قول عمر : ( لولا أن يقول الناس : زاد عمر . . ) إلى آخره يريد -والله أعلم - ثبوت الحكم بدليل عنده ، وإنه كان مما يتلى .

فصل :

في حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - من الفوائد أن السلب لا يستحق بمجرد [ ص: 521 ] الدعوى ، والتثبت في الشهادة وترك العجلة في أدائها ، والقضاء في السلب بواحد دون يمين ، ويحتمل أن يكون بحضور الجيش وعدم المنازع فيه ولاعتراف من بيده السلب أنه القاتل ، فقام ذلك مقام كمال الشهادة .

فصل :

قوله : "فله سلبه " . عندنا أن القاتل يستحقه وإن لم يأذن الإمام في ذلك ، وعند المالكية أن النداء به قبل القتال مكروه ، وبعده جائز لما يدخله من مشاركته . وقال سحنون : إذا ندب به الوالي سرية أن لهم ثلث ما غنموه أخذوا ما جعل لهم ودخلوا مع الباقين في البقية .

فصل :

السلب عندنا لا يخمس على المشهور ، وعند المالكية : أنه من الخمس ، وأنه لا يكون للقاتل إلا بإذن الإمام ، وضابط السلب محل الخوض فيه الفروع ، وقد أوضحناه فيها ، وعند سحنون : لا شيء له في الطوق والسوارين والقرطين والتاج والصلب ، وقال ابن حبيب : له سواراه ، وعلى هذا يكون له التاج والقرطان .

[ ص: 522 ] فصل :

ومعنى قوله : (يقاتل عن الله ورسوله ) أي : يقصد كلمة الله هي العليا لا السلب .

فصل :

علي بن حسين بن علي بن أبي طالب : مات بالمدينة سنة أربع وتسعين ، ودفن بالبقيع .

فصل :

في حديث صفية : زيارة المرأة زوجها المعتكف ، وجواز حديث المعتكف مع امرأته وخروجه معها ليشيعها ، وجواز السلام على المعتكف ، وإشفاقه - عليه السلام - على أمته . قال الخطابي : وقد بلغني عن الشافعي أنه قال في معنى هذا الحديث : أشفق عليهما من الكفر لو ظنا به ظن التهمة ، فبادر إلى إعلامهما دفعا لوسواس الشيطان ، وقال بعضهم : قولهما : سبحان الله يبعده .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث