الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الموجب للغسل

فصل

فأما الأغسال المستحبة فهي نوعان :

أحدهما : ما يقصد به النظافة لأجل اجتماع الناس في الصلاة المشروع لها الاجتماع العام في مجامع المناسك ، وهو غسل الجمعة ، والعيدين ، والكسوف ، والاستسقاء ، والاغتسال للإحرام ، ولدخول مكة والمدينة ، وللوقوف بعرفة ، والمبيت بمزدلفة ، ولرمي الجمار كل يوم ، وللطواف بالبيت ، وهذه تذكر إن شاء الله تعالى في موضعها .

النوع الثاني : ما يشرع لأسباب ماضية ، وهو غسل المستحاضة لكل صلاة ، والغسل من غسل الميت ، وغسل المجنون والمغمى عليه إذا أفاق من غير احتلام ، والغسل من الحجامة .

فأما المستحاضة فيذكر في موضعه ، وأما الاغتسال من غسل الميت فهو مستحب في المشهور ، وقال القاضي في " الجامع الكبير " وابن عقيل : " لا يجب [ ص: 362 ] ولا يستحب من غسل المسلم ؛ لأن الحديث لا يثبت فيه ، فظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك ، وعنه أنه يجب من غسل الميت الكافر ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أمر عليا أن يواري أبا طالب ، فواراه ، فلما رجع قال اغتسل " رواه أحمد وغيره .

وقد ذكرنا في نواقض الوضوء قوله : " ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه ، فإنه ليس بنجس " وروي عن ابن مسعود أنه سئل عن الذي يغسل الميت أيغتسل ؟ قال : " وإن كان صاحبكم نجسا فاغتسلوا منه " عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن الذي يغسل الميت : أيغتسل ؟ فقال : " أنجس هو ؟ " . وعن عائشة قالت : " أأنجاس موتاكم ؟ " رواهن سعيد ، فموجب هذا التعليل وجوبه من الكافر ؛ لأنه نجس بالموت ولا يطهر بالغسل ، فعلى هذا يجب الغسل على الحي من غسل الكافر ، قاله القاضي ، وقال ابن عقيل : لا يجب . الأول اختيار أصحابنا ؛ لما روى ابن إسحاق قال : وقد كنت حفظت من كثير من علمائنا بالمدينة أن محمد بن عمرو بن حزم كان يروي عن المغيرة بن شعبة أحاديث ، منها أنه حدثه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من غسل ميتا فليغتسل " رواه أحمد .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من غسل ميتا فليغتسل ، ومن حمله فليتوضأ " رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وقال : حديث حسن ، وإسناده شرط مسلم .

[ ص: 363 ] وروي من وجوه أخرى ، قال أبو حفص : أي ما شرع لأسباب ماضية ، وهو من أراد حمله يتوضأ - يعني للصلاة عليه . وعن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يغتسل من أربع ، من الجمعة ، والجنابة ، والحجامة ، وغسل الميت " . رواه أحمد وأبو داود ، ولفظه " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل " وهو شرط مسلم ، وتضعيف الإمام أحمد وغيره لبعض هذه الأحاديث إما لأنه لم يبلغهم حين التضعيف إلا من وجوه " ضعيفة " ، أو بناء على قاعدة الحديث دون ما يحتج به الفقهاء كما تقدم . وذهب أبو إسحاق الجوزجاني إلى وجوبه لما ذكرنا وهو معدود من أصحاب أحمد ، والمذهب أن الأمر فيه على الاستحباب ؛ لما تقدم عن [ ص: 364 ] الصحابة هنا ، وفي مسألة نقض الوضوء به ؛ ولأنه لو كان واجبا مع كثرة وقوعه لنقل نقلا عاما ولم يخف على أكابر الصحابة ، مع أن عائشة هي ممن يروي الاغتسال منه وتفتي بعدم وجوبه ، وكذلك الأمر في حديث علي المتقدم هو استحباب . لا سيما والروايات الصحيحة أنه أمره لمواراته دون تغسيله ، وتعليلهم بعدم النجاسة يفيد غسل ما يصيب الغاسل منه لو كان نجسا دون بقية البدن ، وأما الاغتسال من الحجامة فمستحب في إحدى الروايتين ؛ لما تقدم ، ولفعل علي . وفي الأخرى لا يستحب ، واختارها القاضي وغيره ؛ لأن القياس لا يقتضيه ، كالرعاف والفصاد ، وحديثه مضعف .

وأما اغتسال المجنون والمغمى عليه إذا فاقا ، فإن رأيا منيا وجب عليهما الاغتسال ، وإن لم يريا بللا أصلا ففي وجوب الاغتسال روايتان ، إحداهما : يجب ؛ لما روت عائشة قالت : ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : ضعوا لي ماء في المخضب . قالت : ففعلنا ، فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، قالت : ففعلنا ، فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق ، فقال : أصلى الناس ؟ فقلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . وذكرت إرساله إلى أبي بكر " متفق عليه ، والأصل في أفعاله الوجوب في إحدى الروايتين ، يؤكد ذلك في الاغتسال أنه أفتى السائل عن الاغتسال من التقاء الختانين بأن يفعل ذلك ويغتسل منه ، وأفتى عامة الصحابة بقولها : " فعلت ذلك أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا " لا سيما وقد تكرر ذلك منه مع مشقته عليه ، فلو لم يكن واجبا [ ص: 365 ] لتركه ؛ ولأنه مظنة للجنابة غالبا ، فأقيم مقام الحقيقة ، كالنوم مع الحدث ، والوطء مع الإنزال . قال الإمام أحمد : " قل ما يكون الإغماء إلا أمنى " وقال : " قل أن يصرع إلا احتلم " بل هو أولى من ذلك ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز عليه الاحتلام ؛ لأنه معصوم من الشيطان ، ومع هذا كان يغتسل ، وهذا يدل على أن الإغماء سبب للغسل مع قطع النظر عن كونه مظنة الإنزال ، ألا ترى أنه إذا كان محفوظا في منامه من الحدث كان ينام ثم يصلي ولا يتوضأ ، فإذا وجب الوضوء على الأمة مع أنه لم يكن يفعله ، فوجوب الاغتسال الذي فعله أولى .

والرواية الثانية : لا يجب ، بل يستحب ؛ لأنه زوال عقل ، فلم يوجب الاغتسال كالنوم ، ولأن الحقيقة هنا أمكن اعتبارها ، فإن المني يبقى في ثوبه وبدنه ، بخلاف الحدث في النوم ، فإنه لا يعلم ، وعلى هذه الرواية لو وجد ولم يتيقنه منيا فقيل : لا يجب الغسل أيضا ، بخلاف النوم ؛ لأنه يمكن أن يكون من المرض المزيل للعقل ، وقيل : يجب كالنوم ؛ لأن هذا يشرع له الاغتسال بكل حال بخلاف النائم ، فوجوب الاغتسال عليه يجب على النائم أولى ؛ ولهذا لو رأى المريض غير المبرود بللا حكمنا بأنه مني بخلاف صاحب الإبردة ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث