الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر

جزء التالي صفحة
السابق

627 [ ص: 345 ] ( 28 ) باب مكيلة زكاة الفطر

588 - ذكر فيه مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أن رسول [ ص: 346 ] الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر ، أو [ ص: 347 ] صاعا من شعير ، على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين .

[ ص: 348 ] 589 - وعن زيد بن أسلم ، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ; أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب . وذلك بصاع النبي صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


13601 - فأما قوله في حديث ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ، فمعناه عند أكثر أهل العلم أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأمر الله أوجبه ، وما كان لينطق عن الهوى ، فأجمعوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر ، ثم اختلفوا في نسخها .

[ ص: 349 ] 13602 - فقالت فرقة : هي منسوخة بالزكاة ورووا عن قيس بن سعد بن عبادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بها قبل نزول الزكاة ، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا بها ولم ينهنا ، ونحن نفعله .

13603 - وقال جمهور من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم : هي فرض واجب على حسب ما فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينسخها شيء .

13604 - وممن قال بهذا : مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .

13605 - قال إسحاق : هو الإجماع .

13606 - وقال أشهب : سألت مالكا عن زكاة الفطر أواجبة هي ؟ قال : نعم .

13607 - وفي سماع زياد بن عبد الرحمن قال : سئل مالك عن تفسير قول الله تعالى وآتوا الزكاة ( البقرة : 43 ) هي الزكاة التي قرنت بالصلاة ، فسمعته يقول : هي زكاة الأموال كلها من الذهب والورق ، والثمار ، والحبوب ، والمواشي ، وزكاة الفطر . وتلا : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ( التوبة : 103 ) .

[ ص: 350 ] 13608 - وذكر أبو التمام ، قال : قال مالك : زكاة الفطر واجبة .

13609 - قال : وبه قال أهل العلم كلهم إلا بعض أهل العراق فإنه قال : هي سنة مؤكدة .

13610 - قال أبو عمر : اختلف المتأخرون من أصحاب مالك في وجوبها ; فقال بعضهم : هي سنة مؤكدة .

13611 - وقال بعضهم هي فرض واجب .

13612 - وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفرج .

13613 - وأما أبو محمد بن أبي زيد فإنه قال : هي سنة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يضع شيئا .

13614 - واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضا : أحدهما أنها فرض واجب ، والآخر أنها سنة ( مؤكدة ) .

13615 - وسائر العلماء على أنها واجبة .

13616 - والقول بوجوبها من جهة اتباع المؤمنين ؛ لأنهم الأكثر ، والجمهور الذين هم حجة على من شذ عنهم .

[ ص: 351 ] 13617 - وقول من قال إنها سنة قول ضعيف ، وتأويله في قول ابن عمر " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم . . " بمعنى أنه قدر ذلك صاعا . ، وأنه مثل قولهم : فرض القاضي نفقة اليتيم ربعين ، أي قدرها خلاف الظاهر ادعاء على النبي ما يخرجه في المعهود فيه ؛ لأنه لم يختلفوا في قول الله عز وجل فريضة من الله ( النساء : 11 ) . أي إيجاب من الله ، وكذلك لهم فرض الله طاعة رسوله ، وفرض الصلاة والزكاة . . . هذا كل ذلك أوجب وألزم .

13618 - وكذلك قالوا في الواجب . " هو فريضة وما لم يلزم لزومه قالوا : سنة . وقد أوضحنا هذا المعنى بزيادات في الاعتراضات في " التمهيد " .

13619 - وأما قوله " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس " ; فقد اختلف العلماء فيالحين والوقت الذي يلزم لمن أدركه زكاة الفطر .

13620 - فقال في رواية ابن القاسم ، وابن وهب ، وغيرهما عنه : تجب [ ص: 352 ] بطلوع الفجر من يوم الفطر .

13621 - ومعناه أنها لا تجب عن من ولد أو ملك بعد ذلك الوقت ، وذكروا عنه مسائل إن لم تكن على الاستحباب فهي تناقض على هذا ; وهي في المولود ضحى يوم الفطر ، أو العبد يشترى بعد طلوع الشمس في يوم الفطر أنه يزكي عنه أبوه وسيده .

13622 - وروى أشهب عن مالك : أن الزكاة تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان ، وهي ليلة الفطر .

13623 - وقال مالك : إذا مات العبد ليلة الفطر قبل طلوع الفجر فعلى المولى صدقة الفطر عنه ؛ لأنه قد كان أدركه وقت وجوبها حيا ، ومعلوم أن ليلة الفطر ليست من رمضان ، فمن ولد فيها من الأحرار والعبيد ، وملك فيها من العبيد فإنه لم يولد ولم يملك في رمضان ؛ وإنما وقع ذلك في شوال ، وزكاة الفطر إنما هي لرمضان لا لشوال .

13624 - وبهذا قال الشافعي وأصحابه ، إلا أن أصحابه في المسألة على قولين ، على أن قوله ببغداد كان : أنها تجب بطلوع الفجر على كل مسلم أدركه ذلك الوقت حيا .

13625 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فقولهم في ذلك كما رواه ابن القاسم [ ص: 353 ] عن مالك : بطلوع الفجر تجب زكاة الفطر .

13626 - وهو قول أبي ثور .

13627 - ومن قال بهذا لم يعتبر ليلة الفطر ؛ لأن الفطر ليس بموضع صيام يراعى ويعتبر .

13628 - وهو قول من لم ينعم النظر ؛ لأن يوم الفطر ليس بموضع صيام فأحرى ألا يراعى .

13629 - واختلفوا في وجوبها على الفقراء :

13630 - فروى ابن وهب عن مالك أنه قال في رجل له عبد لا يملك غيره : عليه فيه زكاة الفطر .

13631 - قال مالك : والذي ليس له إلا معيشة خمسة عشر يوما أو نحوها والشهر ونحوه عليه زكاة الفطر .

13632 - قال مالك : وإنما هي زكاة الأبدان .

13633 - وروى أشهب عن مالك أن زكاة الفطر لا تجب على من ليس عنده ، من أين يؤديها ؟

13634 - وروي عن مالك أيضا أن عليه زكاة صدقة الفطر وإن كان محتاجا .

[ ص: 354 ] 13635 - وروي عنه أنه من جاز له أخذ صدقة الفطر لم تلزمه .

13636 - وذكر أبو التمام عن مالك أنه قال : زكاة الفطر واجبة على الفقير الذي يفضل عن قوته صاع كوجوبها على الغني .

13637 - قال : وبه قال الشافعي .

13638 - قال أبو عمر : قال الشافعي : من ملك قوته وقوت من يمونه ذلك اليوم ومن يؤدي عنه وعنهم زكاة الفطر ، فعليه أن يؤديها عن نفسه وعنهم ، فإن لم يكن عنده إلا ما يؤدي عن نفسه وعن البعض أدى عن ذلك البعض .

13639 - وقول ابن علية في هذه المسألة كقول الشافعي .

13640 - وقال عبيد الله بن الحسن : إذا أصاب فضلا عن غدائه وعشائه فعليه أن يأخذ ويعطي صدقة الفطر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث