الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        629 590 - وأما قوله في حديث ابن عمر : " صاعا من تمر أو صاعا من شعير " ، وروايته في هذا الباب عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        13649 - ورواه حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، فقال [ ص: 355 ] فيه : قال عبد الله : فعدل الناس بعد نصف صاع من بر بصاع من تمر .

                                                                                                                        13642 - قال : وكان عبد الله يعطي التمر ، فيعوز أهل المدينة التمر عاما ، فأعطى الشعير .

                                                                                                                        13643 - وروى ابن عيينة عن أيوب بإسناده مثله ، وقال فيه : قال ابن عمر : فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع من بر بصاع من شعير .

                                                                                                                        13644 - قال نافع : فكان عبد الله يخرج زكاة الفطر عن الصغير من أهله والكبير ، والحر والعبد .

                                                                                                                        13645 - ورواه ابن أبي رواد عبد العزيز ، عن نافع ، عن ابن عمر ، [ ص: 356 ] وقال فيه : فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل نصف صاع منها مثل صاع من تلك الأشياء ، وذكر في حديثه هذا صاعا من تمر أو شعير أو سلت أو زبيب ، ولم يقل ذلك عن نافع أحد غيره ، وليس ممن يحتج به في حديث نافع إذا خالفه حفاظ أصحاب نافع ، وهم : عبيد الله بن عمر ، ومالك وأيوب . وفي " التمهيد " من هذا المعنى أكثر من هذا .

                                                                                                                        13646 - وأما قوله في حديث أبي سعيد الخدري : كنا نخرج في زكاة الفطر صاعا من طعام . . " ، وذكر الشعير والتمر والزبيب والأقط صاعا صاعا .

                                                                                                                        [ ص: 357 ] 13647 - فقد ذكرنا في " التمهيد " من رفع هذا الحديث فقال فيه : " على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " . ولم يختلف من ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة ، ومنهم من لم يذكره .

                                                                                                                        13648 - ومن رواته أيضا من ذكر فيه نصف صاع من بر .

                                                                                                                        13649 - وذكر فيه ابن عيينة عن زيد بن أسلم الدقيق ولم يتابع عليه ، وقد ذكر فيه السلت والدقيق ، أو أحدهما .

                                                                                                                        13650 - وذكر فيه مالك ، والثوري من طعام . وحسبك بهما حفظا وأمانة وإتقانا . وقد أوضحنا ذلك كله ومن رواه ومن أسقطه في " التمهيد " .

                                                                                                                        13651 - واختلف أهل العلم في مقدار ما يؤدي المرء عن نفسه في صدقة الفطر من الحبوب بعد إجماعهم أنه لا يجزئ من التمر والشعير أقل من صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        13652 - فأما اختلافهم في مقدار ذلك من البر ، وهي الحنطة ، فقال مالك والشافعي وأصحابهما : لا يجزئ من البر ولا من غيره أقل من صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم عن إنسان واحد صغيرا كان أو كبيرا .

                                                                                                                        [ ص: 358 ] 13653 - وهو قول البصريين ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .

                                                                                                                        13654 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه : يجزئ من البر نصف صاع .

                                                                                                                        13655 - وروي ذلك عن جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين .

                                                                                                                        13656 - وحجة مالك ، والشافعي في إيجاب الصاع من البر وأنه كغيره مما ذكر عنه حديث ابن عمر " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير " .

                                                                                                                        13657 - قالوا : وذلك كان قوت القوم يومئذ ، فخرج عليه الخبر ; فكل من اقتات شيئا من الحبوب المذكورات في حديث أبي سعيد الخدري وغيره لزمه إخراج صاع منه .

                                                                                                                        13658 - ويشهد لذلك حديث مالك ، والثوري ، ومن تابعهما في حديث أبي سعيد الخدري المذكور في هذا الباب : " كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر صاعا من طعام . . . " ، ثم ذكر الشعير وغيره .

                                                                                                                        13659 - فبان بذكره الطعام هنا أنه أراد البر ، والله أعلم . ولم يفصل بينه وبين الشعير ، في الحنطة ، وفي المكيلة ؛ بل جعله كله صاعا صاعا .

                                                                                                                        13660 - وأما حجة من قال إنه يجزئه من البر نصف صاع فقول ابن [ ص: 359 ] عمر في حديثه ، وقد ذكر التمر والشعير ، قال . . " فعدل الناس بصاع من شعير أو تمر نصف صاع من بر .

                                                                                                                        13661 - والناس في ذلك الزمان كبار الصحابة .

                                                                                                                        13662 - وحجتهم أيضا حديث الزهري عن ابن أبي صعير ، عن أبيه : [ ص: 360 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الفطر : " صاع من بر بين اثنين ، أو صاع من شعير أو تمر عن رجل واحد " .

                                                                                                                        13663 - وهذا نص في موضع الخلاف ، إلا أنه لم يروه كبار أصحاب ابن شهاب ولا من يحتج بروايته منهم إذا انفرد ، ولكنه لم يخالفه في روايته تلك غيره .

                                                                                                                        13664 - وروى الثقات عن سعيد بن المسيب أنه قال : كانت صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف صاع من حنطة أو صاعا من شعير أو تمر .

                                                                                                                        13665 - وروي عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، [ ص: 361 ] وابن عباس على اختلاف عنه ، وأبي هريرة ، وجابر ، ومعاوية ، وابن الزبير : " نصف صاع من بر " ، وفي الأسانيد عن بعضهم ضعف واختلاف .

                                                                                                                        13666 - وروي عن سعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وعمر بن عبد العزيز ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، وأبي سلمة ، ومصعب بن سعد : " نصف صاع من بر " .

                                                                                                                        13667 - قال أبو حنيفة : يؤدي نصف صاع من بر ، أو دقيق ، أو سويق ، أو زبيب ، أو صاعا من تمر ، أو شعير .

                                                                                                                        13668 - قال أبو يوسف ومحمد : الزبيب بمنزلة التمر والشعير ، وما سوى ذلك يخرج بالقيمة : قيمة نصف صاع من بر ، أو قيمة صاع من شعير أو تمر .

                                                                                                                        13669 - وروينا عن أبي حنيفة أنه قال : لو أعطيت في زكاة الفطر عدل ذلك أجزاك . يعني بالقيمة .

                                                                                                                        13670 - وقال الأوزاعي : يؤدي كل إنسان مدين من قمح بمد أهل بلده .

                                                                                                                        13671 - وقال الليث بن سعد : يخرج مدين من قمح بمد هشام ، أو [ ص: 362 ] أربعة أمداد من التمر أو الشعير أو الأقط .

                                                                                                                        13672 - وقال أبو ثور : يخرج صاعا من تمر أو شعير أو زبيب . وسكت عن البر . 13673 - وقال أشهب : سمعت مالكا يقول لا يؤدي الشعير إلا من هو أكله ، يؤديه كما يأكله . قيل له : إن من الناس من يقول : مدين من بر ؟ قال : إنما القول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صاع ) . قال : فذكرت له الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المدين من الحنطة فأنكرها .

                                                                                                                        13674 - وأما قوله في حديث ابن عمر : " على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين " فقد تقدم القول فيمن تجب عليه زكاة الفطر من المالك والمملوك والصغير والكبير .

                                                                                                                        13675 - وأما قوله : " من المسلمين " فإنه لم يقله من ثقات أصحاب نافع غيره ، ورواه أيوب السختياني ، وعبيد الله بن عمر ، وموسى بن عقبة وغيرهم ، عن نافع ، عن ابن عمر لم يقولوا فيه : " من المسلمين " .

                                                                                                                        13676 - وقد ذكرنا فيه في " التمهيد " من قال عن عبيد الله " من المسلمين " . ومن تابع مالكا على ذلك . وذكرنا في الباب قبل هذا أيضا حكم قوله " من المسلمين " ، وما للعلماء في ذلك من المذاهب ، وبالله التوفيق .




                                                                                                                        الخدمات العلمية