الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وإن كان الطلاق ثلاثا في الحرة ، أو ثنتين في الأمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويدخل بها ، ثم يطلقها أو يموت عنها ) والأصل فيه قوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }فالمراد الطلقة الثالثة والثنتان في حق الأمة كالثلاث في حق الحرة ; لأن الرق منصف لحل المحلية على ما عرف ، ثم الغاية نكاح الزوج مطلقا والزوجية المطلقة إنما تثبت بنكاح صحيح ، وشرط الدخول ثبت بإشارة النص ، وهو أن يحمل النكاح على الوطء حملا للكلام على الإفادة دون الإعادة إذ العقد استفيد بإطلاق اسم الزوج أو يزاد على النص بالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام : { لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر }روي بروايات . [ ص: 484 - 485 ] ولا خلاف لأحد فيه سوى سعيد بن المسيب رضي الله عنه ، وقوله غير معتبر حتى لو قضى به القاضي لا ينفذ ، والشرط : الإيلاج دون الإنزال ; لأنه كمال ومبالغة فيه والكمال قيد زائد .

التالي السابق


فصل فيما تحل به المطلقة

الحديث الثاني : قال عليه السلام : { لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر }; قلت : رواه الأئمة الستة في " كتبهم " من حديث عائشة ، قالت : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجت زوجا غيره ، فدخل بها ، ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول ؟ قال : لا ، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول }انتهى .

وروى الجماعة إلا أبا داود عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : { جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : كنت عند رفاعة ، فطلقني ، فأبت طلاقي ، فتزوجت [ ص: 484 ] بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل هدبة الثوب ، فتبسم عليه السلام ، وقال : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا ، حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك }انتهى .

وفي لفظ في " الصحيحين " { أنها كانت تحت رفاعة ، فطلقها آخر ثلاث تطليقات } ، الحديث . ذكره البخاري في " الشهادات والطلاق " ، وذكره في " اللباس " ، وزاد فيه من قوله : عائشة ، { فصار ذلك سنة بعده } ، ومسلم ، وأبو داود في " الطلاق " ، والباقون في " النكاح " ، وفي لفظ للبخاري ، { كذبت ، والله يا رسول الله ، إني لأنفضها نفض الأديم ، ولكنها ناشز ، تريد أن ترجع إلى رفاعة ، فقال عليه السلام : فإن كان ذلك لم تحلين له حتى يذوق من عسيلتك ، قال : وكان مع رفاعة ابنان له من غيرها ، فقال له عليه السلام : بنوك هؤلاء ؟ قال : نعم ، فقال لها : هذا ، وأنت تزعمين ما تزعمين ؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب }انتهى .

وهو كذلك في " الموطأ " أخبرنا مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير { أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكحها عبد الرحمن بن الزبير ، فلم يستطع أن يمسها ، ففارقها ، فأراد رفاعة أن ينكحها ، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لا تحل لك حتى تذوق العسيلة } ، انتهى .

وروى الطبراني في " معجمه الأوسط " حدثنا محمد بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قالت : { كانت امرأة من قريظة يقال لها : تميمة بنت وهب ، تحت عبد الرحمن بن الزبير ، فطلقها ، فتزوجها رفاعة رجل من بني قريظة ثم فارقها ، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير ، فقالت : والله يا رسول الله ما هو منه إلا كهدبة ثوبي ، فقال : والله يا تميمة لا ترجعين إلى عبد الرحمن حتى يذوق عسيلتك رجل غيره }انتهى .

وقال : لم يروه عن ابن إسحاق إلا سلمة بن الفضل انتهى .

وهذا المتن عكس متن الصحيح .

وروى أحمد في " مسنده " حدثنا مروان ثنا عبد الملك المكي ثنا عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { العسيلة : هي الجماع } ، [ ص: 485 ] انتهى .

وأخرجه الدارقطني في " سننه " والمكي مجهول . قوله : ولا خلاف فيه لأحد سوى سعيد بن المسيب في سنن سعيد بن منصور عن ابن المسيب ، قال : الناس يقولون : حتى يجامعها ، وأما أنا فأقول : إذا تزوجها نكاحا صحيحا ، فإنها تحل للأول ، واستغرب هذا من سعيد ، حتى قيل : إن الحديث لم يبلغه ، كما استغرب من الحسن ، أنه يشترط الإنزال ، نظرا إلى معنى العسيلة ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث