الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثاني

في شروط الجمعة .

- وأما شروط الجمعة : فاتفقوا على أنها شروط الصلاة المفروضة بعينها ( أعني الثمانية المتقدمة ) ما عدا الوقت والأذان ، فإنهم اختلفوا فيهما ، وكذلك اختلفوا في شروطها المختصة بها . أما الوقت فإن الجمهور على أن وقتها وقت الظهر بعينه ( أعني وقت الزوال ، وأنها لا تجوز قبل الزوال ) وذهب قوم إلى أنه يجوز أن تصلى قبل الزوال وهو قول أحمد بن حنبل .

والسبب في هذا الاختلاف في مفهوم الآثار الواردة في تعجيل الجمعة مثل ما خرجه البخاري عن سهل بن سعد أنه قال : ما كنا نتغدى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نقيل إلا بعد الجمعة .

ومثل ما روي أنهم كانوا يصلون ، وينصرفون ، وما للجدران أظلال ، فمن فهم من هذه الآثار الصلاة قبل الزوال أجاز ذلك ، ومن لم يفهم منها إلا التبكير فقط لم يجز ذلك لئلا تتعارض الأصول في هذا الباب ، وذلك أنه قد ثبت من حديث أنس بن مالك " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس " وأيضا فإنها لما كانت بدلا من الظهر وجب أن يكون وقتها وقت [ ص: 134 ] الظهر ، فوجب من طريق الجمع بين هذه الآثار أن تحمل تلك على التبكير ، إذ ليست نصا في الصلاة قبل الزوال ، وهو الذي عليه الجمهور .

وأما الأذان : فإن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن وقته هو إذا جلس الإمام على المنبر ، واختلفوا هل يؤذن بين يدي الإمام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد ؟ فذهب بعضهم إلى أنه إنما يؤذن بين يدي الإمام مؤذن واحد فقط ، وهو الذي يحرم به البيع والشراء ، وقال آخرون : بل يؤذن اثنان فقط . وقال قوم : بل إنما يؤذن ثلاثة .

والسبب في اختلافهم : اختلاف الآثار في ذلك ، وذلك أنه روى البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال : " كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما كان زمان عثمان ، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء " وروي أيضا عن السائب بن يزيد أنه قال : " لم يكن يوم الجمعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد " وروي أيضا عن سعيد بن المسيب أنه قال : " كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر أذانا واحدا حين يخرج الإمام ، فلما كان زمان عثمان وكثر الناس فزاد الأذان الأول ليتهيأ الناس للجمعة " وروى ابن حبيب " أن المؤذنين كانوا يوم الجمعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة " ، فذهب قوم إلى ظاهر ما رواه البخاري ، وقالوا : يؤذن يوم الجمعة مؤذنان ، وذهب آخرون إلى أن المؤذن واحد فقالوا : إن معنى قوله : فلما كان زمان عثمان ، وكثر الناس زاد النداء الثالث أن النداء الثاني هو الإقامة . وأخذ آخرون بما رواه ابن حبيب ، وأحاديث ابن حبيب عند أهل الحديث ضعيفة ولا سيما فيما انفرد به . وأما شروط الوجوب والصحة المختصة ليوم الجمعة فاتفق الكل على أن من شرطها الجماعة ، واختلفوا في مقدار الجماعة ، فمنهم من قال : واحد مع الإمام وهو الطبري . ومنهم من قال : اثنان سوى الإمام . ومنهم من قال : ثلاثة دون الإمام ، وهو قول أبي حنيفة . ومنهم من اشترط أربعين ، وهو قول الشافعي وأحمد . وقال قوم ثلاثين . ومنهم من لم يشترط عددا ، ولكن رأى أنه يجوز بما دون الأربعين ولا يجوز بالثلاثة والأربعة ، وهو مذهب مالك ، وحدهم بأنهم الذين يمكن أن تتقرى بهم قرية . وسبب اختلافهم في هذا اختلافهم في أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع هل ذلك ثلاثة أو أربعة أو اثنان ، وهل الإمام داخل فيهم أم ليس بداخل فيهم ؟ وهل الجمع المشترط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع في غالب الأحوال ، وذلك هو أكثر من الثلاثة والأربعة ، فمن ذهب إلى أن الشرط في ذلك هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع وكان عنده أن أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع اثنان ، فإن كان ممن يعد الإمام في الجمع المشترط في ذلك قال : تقوم الجمعة باثنين الإمام وواحد ثان ، وإن كان ممن لا يرى أن يعد الإمام في الجمع قال : تقوم باثنين سوى الإمام ، ومن كان أيضا عنده أن أقل الجمع ثلاثة ، فإن كان لا يعد الإمام في جملتهم قال بثلاثة سوى الإمام ، وإن كان ممن يعد الإمام في جملتهم وافق قول من قال أقل الجمع اثنان ولم يعد الإمام في جملتهم . وأما من راعى ما ينطلق عليه في الأكثر والعرف المستعمل اسم الجمع قال : لا تنعقد بالاثنين ولا [ ص: 135 ] بالأربعة ولم يحد في ذلك حدا ، ولما كان من شرط الجمعة الاستيطان عنده حد هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس وهو مالك - رحمه الله - .

وأما من اشترط الأربعين ، فمصيرا إلى ما روي أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس ، فهذا هو أحد شروط صلاة الجمعة ( أعني شروط الوجوب ، وشروط الصحة ) فإن من الشروط ما هي شروط وجوب فقط ، ومنها ما يجمع الأمرين جميعا ( أعني أنها شروط وجوب وشروط صحة ) .

وأما الشرط الثاني : وهو الاستيطان ، فإن فقهاء الأمصار اتفقوا عليه لاتفاقهم على أن الجمعة لا تجب على مسافر ، وخالف في ذلك أهل الظاهر لإيجابهم الجمعة على المسافر ، واشترط أبو حنيفة المصر ، والسلطان مع هذا ، ولم يشترط العدد .

وسبب اختلافهم في هذا الباب هو الاحتمال المتطرق إلى الأحوال الراتبة التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها - صلى الله عليه وسلم - هل هي شرط في صحتها أو وجوبها أم ليست بشرط ؟ وذلك أنه لم يصلها - صلى الله عليه وسلم - إلا في جماعة ومصر ومسجد جامع ، فمن رأى أن اقتران هذه الأشياء بصلاته مما يوجب كونها شرطا في صلاة الجمعة اشترطها ، ومن رأى بعضها دون بعض اشترط ذلك البعض دون غيره كاشتراط مالك المسجد وتركه اشتراط المصر والسلطان ، ومن هذا الوضع اختلفوا في مسائل كثيرة من هذا الباب مثل اختلافهم هل تقام جمعتان في مصر واحد أو لا تقام ؟ والسبب في اختلافهم في اشتراط الأحوال والأفعال المقترنة بها ، هو كون بعض تلك الأحوال أشد مناسبة لأفعال الصلاة من بعض ، ولذلك اتفقوا على اشتراط الجماعة ، إذ كان معلوما من الشرع أنها حال من الأحوال الموجودة في الصلاة ، ولم ير مالك المصر ولا السلطان شرطا في ذلك لكونه غير مناسب لأحوال الصلاة ورأى أن المسجد شرطا لكونه أقرب مناسبة ، حتى لقد اختلف المتأخرون من أصحابه هل من شرط المسجد السقف أم لا ؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا ؟ وهذا كله لعله تعمق في هذا الباب ودين الله يسر .

ولقائل أن يقول : إن هذه لو كانت شروطا في صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها - عليه الصلاة والسلام - ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) ولقوله تعالى : ( لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) ، والله المرشد للصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث