الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ليس فيما اتخذ للقنية صدقة وتقديم الصدقة وتحملها عمن وجبت عليه

جزء التالي صفحة
السابق

1634 [ 852 ] وعنه قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر على الصدقة فقيل : منع ابن جميل ، وخالد بن الوليد ، والعباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا ، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله ، وأما العباس فهي علي ومثلها معها) ، ثم قال : (يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه) .

رواه البخاري (1468)، ومسلم (983)، وأبو داود (1623)، والنسائي (5 \ 33) .

التالي السابق


وقول أبي هريرة : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر على الصدقة " ; ظاهر هذا اللفظ: أنها الصدقة الواجبة ، وإليه صار الجمهور ، وعلى هذا فيلزم استبعاد منع مثل هؤلاء المذكورين لها . ولذلك قال بعض العلماء : كانت صدقة تطوع .

وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس إلى الصدقة . . . وذكر الحديث .

قال ابن القصار : وهذا أليق بالقصة ، فلا يظن بأحد منهم منع الواجب ، قال : فيكون عذر خالد واضحا ; لأنه لما أخرج أكثر ماله حبسا في سبيل الله ، لم يحتمل صدقة التطوع ، فعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك . ويكون ابن جميل شح في التطوع الذي لا يلزمه ، فعتب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما جاء في الحديث . وأخبر: أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه ، وأنه ممن لا يمتنع مما حضه عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل يعده كاللازم .

[ ص: 16 ] وأما من قال: إنها صدقة الفرض ، فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكبراء والفضلاء من الصحابة عن أدائها ، واحتسابه - عليه الصلاة والسلام - لخالد فيها بما كان حبس من آلة الجهاد ، مع أنه قد كان يعدها على وجه الحبس ، على ما هو ظاهر الحديث .

وقوله : ( إنكم تظلمون خالدا ) ، وقوله : ( هي علي ومثلها معها ) ، وقد انفصل عن استبعاد منعهم بأنهم لم يمنعوها عنادا ، بل توقفا من ابن جميل إلى أن يرى هل يسامح بها .

وقال المهلب : كان ابن جميل منافقا أولا ، فمنع الزكاة ، فأنزل الله تعالى : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فقال : استثناني الله ، فتاب وصلحت حاله ، وتأولا من خالد بأنه يحتسب له بها ، ومن العباس بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بحملها عنه ، أو بأنه غريم ، أو بغير ذلك من أنواع التأويلات المسوغة ، ولم يكن فيهم أبعد تأويلا من ابن جميل ; ولذلك عتب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما قوله : (إنكم تظلمون خالدا ) ; فهو خطاب منه للعمال على الصدقة ، حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة . وكأن خالدا - والله أعلم - رأى أن الحاجة قد تعينت للجهاد في سبيل الله ، وقد جعل الله للجهاد حظا من الزكاة ، فرأى أن يصرفها فيه ، فأخرج زكاته ، واشترى بها ما يصلح للجهاد ، كما يفعله الإمام . ولما تحقق النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، قال : (إنكم تظلمون خالدا ) فإنه قد صرفها مصرفها ، وأنتم تطالبونه بها . وعند ذلك يكون قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك إمضاء لما فعل خالد ، ويكون معنى " احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله " : رفع يده عنها ، وأبانها عن ملكه ، وخلى بين الناس وبينها في سبيل الله ، لا أنه حبسها وقفا على [ ص: 17 ] التأبيد .

و" الأدراع " : جمع درع الحديد . و " الأعتاد " : جمع عتد ، وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية ، وكلاهما جمع قلة ، وهو الفرس الصلب . وقيل : هو المعد للركوب . وقيل : السريع الوثب .

وقال الهروي : هو ما أعده الرجل من سلاح ، ودواب ، وآلة [للحرب] . ويجمع أيضا : أعتدة . وفي غير مسلم : " أعتدة " - بضم التاء وفتح الدال - ، وروي أيضا : " أعبدة " - بالباء - بواحدة جمع : " عبد " .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق العباس : ( فهي علي ومثلها معها ) ، فقد اضطربت ألفاظ الرواة فيه ، فقيل ما ذكرناه . وفي البخاري : (فهي عليه صدقة ومثلها معها) ، وفي غيرهما : (فهي له ومثلها) .

فأما رواية مسلم فظاهرها أنه تحملها عنه ومثلها ، ويحتمل أنها كانت له عليه ; إذ قد كان قدمها له . وفيه بعد من حيث اللفظ ، وإن كان الدارقطني قد روى من حديث موسى بن طلحة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين ) ; وبهذا يحتج من يرى تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها . وهو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي ، والشافعي وفقهاء المحدثين . ومن هؤلاء من يجيز تقديم زكاة عامين ; أخذا بهذا الحديث . ومنع ذلك مالك والليث ، وهو قول عائشة وابن سيرين ، فقالوا : لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كالصلاة . وعن مالك خلاف فيما قرب ، وكأن هؤلاء لم يصح عندهم الحديث - والله أعلم - ، ولا ارتضوا ذلك التأويل .

وقيل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هي علي ومثلها ) ; أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد تسلف من العباس مالا احتاج إليه في السبيل فقاصه به عند الحول . وهذا ما لا يختلف في جوازه ، وحينئذ لا يكون حجة على جواز التقديم . وأما رواية البخاري ، فنص في أنه تركها له ومثلها . وذلك لأنه كان قد فدى نفسه وعقيلا ، فكأنه كان غريما ، وإليه يرد قوله : [ ص: 18 ] (وهي له ومثلها) ، ويحتمل : " فهي له علي " كما تقدم . وبحسب هذه التأويلات تنزل عليه الأحكام .

وقوله : ( ما ينقم ابن جميل ) ; أي : ما يعيب ، يقال : نقم ينقم ، ونقم ينقم ، ومنه قوله تعالى : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا وقال الشاعر :


ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا     وإنهم سادة الملوك
ولا تصلح إلا عليهم العرب

وقوله : ( أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه ) ; أي : يرجع مع أبيه إلى أصل واحد ، ومنه قوله تعالى : صنوان وغير صنوان وأصله من النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد . و " الصنوان " : جمع صنو ، كقنوان وقنو ، ويجمع : أصناء ; كأسماء ، فإذا كثرت ، قلت : الصني والصني ، وهذا تعظيم لحق العم ، وهو مقتض ومناسب لأن يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : (هي علي " على أنه تحملها عنه ; احتراما له وميزة وإكراما ، حتى لا يتعرض له بطلبها أحد ; إذ تحملها عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث