الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ولو جعل اللبن مخيضا أو رائبا أو شيرازا أو جبنا أو أقطا أو مصلا فتناوله الصبي لا يثبت به الحرمة ; لأن اسم الرضاع لا يقع عليه وكذا لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم ولا يكتفي به الصبي في الاغتذاء فلا يحرم ولو اختلط اللبن بغيره فهذا على وجوه أما إن اختلط بالطعام أو بالدواء أو بالماء أو بلبن البهائم أو بلبن امرأة أخرى فإن اختلط بالطعام فإن مسته النار حتى نضج لم يحرم في قولهم جميعا ; لأنه تغير عن طبعه بالطبخ وإن لم تمسه النار فإن كان الغالب هو الطعام ; لم تثبت الحرمة ; لأن الطعام إذا غلب سلب قوة اللبن وأزال معناه وهو التغذي فلا يثبت به الحرمة .

وإن كان اللبن غالبا للطعام وهو طعام يستبين لا يثبت به الحرمة في قول أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد يثبت ، وجه قولهما أن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم أصل في الشرع فيجب اعتباره ما أمكن كما إذا اختلط بالماء أو بلبن شاة ولأبي حنيفة أن الطعام وإن كان أقل من اللبن فإنه يسلب قوة اللبن ; لأنه يرق ويضعف بحيث يظهر ذلك في حس البصر فلا تقع الكفاية به في تغذية الصبي فكان اللبن مغلوبا معنى وإن كان غالبا صورة وإن اختلط بالدواء أو بالدهن أو بالنبيذ ; يعتبر فيه الغالب فإن كان اللبن غالبا يحرم ; لأن هذه الأشياء لا تحل بصفة اللبن وصيرورته غذاء بل بقدر ذلك ; لأنها إنما تخلط باللبن ليوصل اللبن إلى ما كان لا يصل إليه بنفسه لاختصاصها بقوة التنفيذ ثم اللبن بانفراده يحرم فمع هذه الأشياء أولى ، وإن كان الدواء هو الغالب لا تثبت به الحرمة ; لأن اللبن إذا صار مغلوبا صار مستهلكا فلا يقع به التغذي فلا تثبت به الحرمة وكذا إذا اختلط بالماء يعتبر فيه الغالب أيضا فإن كان اللبن غالبا يثبت به الحرمة وإن كان الماء غالبا لا يثبت به وهذا عندنا وعند الشافعي إذا قطر من الثدي مقدار خمس رضعات في جب ماء فسقي منه الصبي تثبت به الحرمة وجه قوله أن اللبن وصل إلى جوف الصبي بقدره في وقته فتثبت الحرمة كما إذا كان اللبن غالبا ولا شك في وقت الرضاع ، والدليل على أن القدر المحرم من اللبن وصل إلى جوف الصبي أن اللبن وإن كان مغلوبا فهو موجود شائع في أجزاء الماء وإن كان لا يرى فيوجب الحرمة ولنا أن الشرع علق الحرمة في باب الرضاع بمعنى التغذي على ما نطقت به الأحاديث واللبن المغلوب بالماء لا يغذي الصبي لزوال قوته ألا ترى أنه لا يقع الاكتفاء به في تغذية الصبي فلم يكن محرما وقد [ ص: 10 ] خرج الجواب عما ذكره المخالف ، وذكر الجصاص أن جواب الكتاب ينبغي أن يكون قولهما فأما على قول أبي حنيفة ينبغي أن يحرم وإن كان اللبن غالبا وقاس الماء على الطعام وجمع بينهما من حيث إن اختلاطه بالماء يسلب قوته وإن كان الماء قليلا كاختلاطه بالطعام القليل وفي ظاهر الرواية أطلق الجواب ولم يذكر الخلاف ولو اختلط بلبن البهائم كلبن الشاة وغيره يعتبر فيه الغالب أيضا لما ذكرنا ولو اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى فالحكم للغالب منهما في قول أبي يوسف .

وروي عن أبي حنيفة كذلك وعند محمد يثبت الحرمة منهما جميعا وهو قول زفر وجه قول محمد أن اللبنين من جنس واحد والجنس لا يغلب الجنس فلا يكون خلط الجنس بالجنس استهلاكا فلا يصير القليل مستهلكا في الكثير فيغذي الصبي كل واحد منهما بقدره بإنبات اللحم وإنشاز العظم أو سد الجوع ; لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر ، والدليل على أن خلط الجنس بالجنس لا يكون استهلاكا له أن من غصب من آخر زيتا فخلطه بزيت آخر اشتركا فيه في قولهم جميعا ولو خلطه بشيرج أو بدهن آخر من غير جنسه ; يعتبر الغالب فإن كان الغالب هو المغصوب كان لصاحبه أن يأخذه ويعطيه قسط ما اختلط بزيته وإن كان الغالب غير المغصوب صار المغصوب مستهلكا فيه ولم يكن له أن يشاركه فيه ولكن الغاصب يغرم له مثل ما غصبه فدل ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد والجنسين وأبو يوسف اعتبر هذا النوع من الاختلاط باختلاط اللبن بالماء وهناك الحكم للغالب كذا ههنا ولمحمد أن يفرق بين الفصلين فإن اختلاط اللبن بما هو من جنسه لا يوجب الإخلال بمعنى التغذي من كل واحد منهما بقدره ; لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر وليس كذلك اختلاط اللبن بالماء ، واللبن مغلوب ; لأن الماء يسلب قوة اللبن أو يخل به فلا يحصل التغذي أو يختل ، والله عز وجل أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث