الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ترك القيام للمريض

1073 1125 - حدثنا محمد بن كثير قال : أخبرنا سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : احتبس جبريل - صلى الله عليه وسلم - على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت امرأة من قريش : أبطأ عليه شيطانه . فنزلت : والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى [الضحى : 1 - 3] . [انظر : 1124 - مسلم : 1797 - فتح: 3 \ 8]

التالي السابق


ذكر فيه حديث الأسود قال : سمعت جندبا يقول : اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين . وفي رواية له : احتبس جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت امرأة من قريش : أبطأ عليه شيطانه . فنزلت : والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى .

الشرح :

هذا الحديث يأتي في تفسير : والضحى أيضا .

وقوله : (ليلة أو ليلتين ) هو شك من الراوي . وكان ذلك ; لأنه لم يكلف إلا ما يطيق ، قال تعالى : قم الليل إلا قليلا [المزمل : 2] ومن الليل فتهجد به [الإسراء : 79] والمريض يكتب له عمله الذي يعمل في الصحة إذا غلب عليه .

وسيأتي في الجهاد من حديث أبي موسى : "إذا مرض العبد أو سافر يكتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا " ، وفي حديث آخر : "من كان له [ ص: 33 ] حظ من العبادة ، ومنعه الله منها بمرض ، فإن الله -عز وجل- يتفضل عليه بهبة ثوابها " ، وفي آخر : "ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته ، وكان نومه عليه صدقة " .

ولما لم يقم - صلى الله عليه وسلم - وقت شكواه ، ولم تسمعه المرأة يصلي حينئذ ظنت هذا الظن . والقصة واحدة ، رواها جندب . وقد روي أن خديجة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أبطأ عنه الوحي : إن ربك قد قلاك . فنزلت : والضحى إلى قوله : فترضى فأعطاه الله ألف قصر في الجنة من لؤلؤ ، ترابها المسك ، في كل قصر ما ينبغي له . ذكره بقي بن مخلد في "تفسيره " .

وقد قيل في هذا الحديث : "من لم يرزأ في جسمه فليظن أن الله قد قلاه " ،ولكن روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "لا يحزن أحدكم أن لا يراني في منامه إذا كان طالبا للعلم فله في ذلك العوض " .

وقال ابن التين : ذكر احتباس جبريل في هذا الباب ليس في موضعه .

قال : وقول الكافرة : أبطأ عليه شيطانه -يعني : جبريل- ففيه ما كان يلقى من الأذى .

وفيه : استعماله ما أمر به من الصبر ، وما ذكره ماش في الكافرة على ما رواه الحاكم من حديث زيد بن أرقم ، أن قائل ذلك امرأة أبي [ ص: 34 ] لهب ، فنزلت السورة . وقال : هذا إسناد صحيح ، إلا أني وجدت له علة فذكرها . وفي "تفسير سنيد بن داود " أن قائل ذلك عائشة ، وفيه نظر ; لأن السورة مكية بالاتفاق .

وزعم أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن قائلة ذلك أحد عماته .

وروى ابن جرير عن جندب بن عبد الله قال : امرأة من أهله ، أو من قومه ودع محمد . ولابن إسحاق أن المشركين سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخضر ، وذي القرنين ، والروح ، فوعدهم بالجواب إلى غد ، ولم يستثن ، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة ، وقيل أكثر من ذلك ، فقال المشركون : ودعه ربه ، فنزل جبريل بالضحى ، وقوله : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا [الكهف : 23 - 24] .

ومعنى والضحى أي : ورب الضحى . وقيل : إنه يقسم بما شاء من خلقه .

و سجى [الضحى : 2] سكن ، أو استوى ، أو جاء ، أو غطى كل شيء ، أو أظلم ، أو ذهب ; أقوال ، يقال : سجى يسجو إذا سكن ، وإنما يسكن إذا غطيت ظلمته .

( ودعك ) [الضحى : 3] من التوديع ، ولا تستعمل ودعك إلا في قليل من الكلام ، ومن قرأ بتشديد الدال يقول : ما هو آخر عهدك بالوحي . ومن خفف يقول : ما تركك ; والمعنى واحد .

[ ص: 35 ] وقال أبو عبيدة : التشديد من التوديع ، والتخفيف من ودع يدع إذا سكن .

و قلى . يقال : قلاه يقليه ويقلاه قلاء وقلاء إذا أبغضه ; إذا كسرت قصرت ، وإذا فتحت مددت .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث