الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به ، وإلى ما يجب المصير إليه ، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب .

[ أنواع ما يحرم القول به ]

فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع : أحدها : الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء . الثاني : تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله . الثالث : التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد ، والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة ، وهذا قلد بعد ظهور الحجة له ; فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله .

وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } وقال تعالى : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } وقال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء .

فإن قيل : إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ، ولم يذم من [ ص: 130 ] قلد العلماء المهتدين ، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر ، وهم أهل العلم ، وذلك تقليدهم ، فقال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم .

فالجواب أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء ، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه ، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ، ومأجور غير مأزور ، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء الله .

وقال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي ، وقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وقال تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } فأمر باتباع المنزل خاصة ، والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل وإن كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل ، وقال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فمنعنا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله ، وهذا يبطل التقليد . وقال تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه مختارا على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة ، يقدمه على ذلك كله ، ويعرض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قبله لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطف في رده وتطلب له وجوه الحيل ، فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة ، وقال تعالى : { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } وهذا نص في بطلان التقليد .

فإن قيل : إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل ، أما من هداه السبيل فأين ذم الله تقليده ؟ قيل : جواب هذا السؤال في نفس السؤال ، فإن لا يكون العبد مهتديا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله ; فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد ، وليس [ ص: 131 ] بمقلد ، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه ، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده ؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم [ إن كانوا ] إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى .

فإن قيل : فأنتم تقرون أن الأئمة المقلدين في الدين على هدى ، فمقلدوهم على هدى قطعا ; لأنهم سالكون خلفهم .

قيل : سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعا ; فإن طريقتهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله ، فمن ترك الحجة وارتكب ما نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم . وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة ، وانقاد للدليل ، ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله مختارا على الكتاب والسنة يعرضهما على قوله . وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا ، وإيهامه وتلبيسه ، بل هو مخالف للإتباع . وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرقت الحقائق بينهما ، فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتى به . [ الفرق بين الاتباع والتقليد ] .

قال أبو عمر في الجامع : باب فساد التقليد ونفيه ، والفرق بينه وبين الإتباع ، قول أبو عمر : قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } } روي عن حذيفة وغيره قال : لم يعبدوهم من دون الله ، ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم .

وقال عدي بن حاتم : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ، فقال : { يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك ، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال : فقلت : يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا ، قال : بلى ، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه ؟ فقلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم } .

قلت : الحديث في المسند والترمذي مطولا .

وقال أبو البختري في قوله عز وجل : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوية .

وقال وكيع : ثنا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ثابت عن أبي البختري [ ص: 132 ] قال : قيل لحذيفة في قوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } : أكانوا يعبدونهم ؟ فقال : لا ، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه .

وقال تعالى : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء ، فقالوا : إنا بما أرسلتم به كافرون ، وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } وقال تعالى معاتبا لأهل الكفر وذاما لهم : { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } وقال { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء ، وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ; لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر ، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد ، كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة ; لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه ، وقال الله عز وجل : { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } .

قال : فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها ، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع ، ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة ، قالوا : وما هي يا رسول الله ؟ قال : أخاف عليهم زلة العالم ، ومن حكم جائر ، ومن هوى متبع } وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم } " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث