الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلاة قبل المغرب

1129 1184 - حدثنا عبد الله بن يزيد قال : حدثنا سعيد بن أبي أيوب قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب قال : سمعت مرثد بن عبد الله اليزني قال : أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت : ألا أعجبك من أبي تميم ، يركع ركعتين قبل صلاة المغرب . فقال عقبة : إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت : فما يمنعك الآن ؟ قال : الشغل . [فتح: 3 \ 59]

التالي السابق


ذكر فيه حديث ابن بريدة :

عن عبد الله المزني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال : "صلوا قبل صلاة المغرب " . -قال في الثالثة- "لمن شاء " كراهة أن يتخذها الناس سنة .

وحديث مرثد بن عبد الله اليزني :

قال : أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت : ألا أعجبك من أبي تميم ; يركع ركعتين قبل صلاة المغرب . فقال عقبة : إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت : فما يمنعك الآن ؟ قال : الشغل .

الشرح :

حديث عبد الله ذكره البخاري أيضا في آخر كتاب الاعتصام ، في باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التحريم إلا ما يعرف إباحته ، بهذا اللفظ والسند .

وكذا أخرجه كذلك أبو داود ، وسلف في باب كم بين الأذان والإقامة [ ص: 202 ] من كتاب الأذان بلفظ : "بين كل أذانين صلاة " . أخرجاه .

وابن بريدة اسمه : عبد الله أخو سليمان . وعبد الله الراوي : هو ابن مغفل بالغين المعجمة والفاء . والحسين الراوي عنه هو ابن ذكوان المعلم . قال الإسماعيلي : قال ابن حساب : محمد بن عبيد في حديثه عن عبد الله ، كنيته ونسبه لا أدري : ابن معقل ، أو ابن مغفل ، فذكره .

قال البيهقي : ورواه حيان بن عبيد الله ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، وأخطأ في إسناده ، وأتى بزيادة لم يتابع عليها ، وهي أن بين كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب .

قال ابن خزيمة : هو خطأ ، إنما الخبر عن ابن بريدة ، عن ابن مغفل ، لا عن أبيه .

قلت : وحيان هذا وثقه ابن حبان وغيره ، وإن جهل .

والحديث الثاني أخرجه النسائي . وأبو تميم عبد الله بن مالك الجيشاني المصري . مات سنة سبع وسبعين . يقال : أسلم في حياة رسول الله . إذا تقرر ذلك :

فاختلف السلف في التنفل قبل المغرب ، فأجازه طائفة من الصحابة [ ص: 203 ] والتابعين والفقهاء ، وممن فعله أبي بن كعب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص .

وقال حميد عن أنس : رأيتهم إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون .

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركت أصحاب محمد يصلون عند كل تأذين .

وكان الحسن ، وابن سيرين يركعان قبل المغرب ، وهو قول أحمد وإسحاق . والحجة لهم من حديث المزني : "لمن شاء " وممن كان لا يصليها ، قال إبراهيم النخعي : لم يصلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان . وقال إبراهيم : هما بدعة ، قال : وكان خيار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكوفة علي وابن مسعود وحذيفة وعمار ، فأخبرني من رمقهم كلهم فما رأى أحدا منهم يصلي قبل المغرب . وهو قول مالك ، وأبي حنيفة والشافعي .

قال المهلب : والحجة لهم أن هذا كان في أول الإسلام ليدل على أن وقت الفجر في وقت النافلة ، في هذا الوقت قد انقطع بمغيب الشمس ، وحلت النافلة والفريضة ، ثم التزم الناس مبادرة الفريضة ; لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل . ويختلف أمر الناس في [ ص: 204 ] المبادرة بالصلاة ، إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة ، وغيرها من الصلوات يشكل أوائل أوقاتها ، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت ; فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات .

وقال ابن قدامة : ظاهر كلام أحمد أنهما جائزان ، وليسا بسنة . قال الأثرم : سألت أحمد عنهما ، قال : ما فعلته قط إلا مرة حين سمعت الحديث . وقال : فيهما أحاديث جياد -أو قال : صحاح- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه ، والتابعين ، إلا أنه قال : "لمن شاء " فمن شاء صلى . وقال : هذا ينكره الناس ، وضحك كالمتعجب ، وكل هذا عندهم عظيم .

وقال ابن العربي : لم يفعلها أحد بعد الصحابة . واختلف أصحابنا فيه على وجهين : أشهرهما لا يستحب . والصحيح عند المحققين استحبابها ; للأحاديث الصحيحة في ذلك ، منها حديثا الباب ، وحديث أنس قال : كان المؤذن إذا أذن قام الناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهم كذلك يصلون ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد ، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما . أخرجاه ، وقد سلف في (كتاب )

[ ص: 205 ] الأذان . ولأبي داود من حديث أنس قال : صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال المختار : قلت لأنس : أرآكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم رآنا . فلم يأمرنا ، ولم ينهنا .

وللبيهقي عن سعيد بن المسيب قال : كان المهاجرون لا يركعون ركعتين قبل المغرب ، وكانت الأنصار يركعونهما ، وكان أنس يركعهما . قال البيهقي : كذا قال سعيد بن المسيب .

وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : كنا نركعهما ، وكان من المهاجرين -وكأنه أراد غيره أو الأكثر منهم- ثم ساق بسنده إلى زر قال : كان ابن عوف ، وأبي بن كعب يصليان قبل المغرب ركعتين ، وبسنده إلى مكحول عن أبي أمامة قال : كنا لا ندعهما في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن حبيب بن مسلم قال : رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة . يعني : إلى الركعتين قبل المغرب . وحجة المانع حديث أبي داود ، عن طاوس قال : سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب ، فقال : ما رأيت أحدا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما ، ورخص في الركعتين بعد العصر .

ولما ذكر الداودي حديث الباب قال : يدل على قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تتحروا [ ص: 206 ] بصلاتكم طلوع الشمس ، ولا غروبها " وقول ابن عمر : لا أنهى أحدا أن يصلي أية ساعة شاء من ليل أو نهار ، هذا عند طلوع الشمس وعند غروبها .

وقوله : "بين كل أذانين صلاة " ، وفي الحديث الآخر : كان إذا أذن (بالمغرب ) ابتدروا السواري ، فيخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم على ذلك .

فائدة :

يدخل في الحديث السالف : "بين كل أذانين صلاة " قبل العشاء .

وبه صرح المحاملي في "لبابه " ، فقال : ويصلي بعد العشاء الآخرة ركعتين ، وقبلها ركعتين . ولم أر من صرح به من متقدمي أصحابنا سواه . وقد رواه الشافعي في البويطي عن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث