الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة النوافل جماعة

1130 1186 - فزعم محمود أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه -وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : كنت أصلي لقومي ببني سالم ، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار ، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : إني أنكرت بصري ، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار ، فيشق علي اجتيازه ، فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانا أتخذه مصلى . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "سأفعل " . فغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه - بعد ما اشتد النهار فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأذنت له ، فلم يجلس حتى قال : "أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ " . فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر وصففنا وراءه ، فصلى ركعتين ، ثم سلم وسلمنا حين سلم ، فحبسته على خزير يصنع له ، فسمع أهل الدار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي ، فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت . فقال رجل منهم : ما فعل مالك ؟ لا أراه . فقال رجل منهم : ذاك منافق ، لا يحب الله ورسوله . فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تقل ذاك ، ألا تراه قال لا إله إلا الله . يبتغي بذلك وجه الله ؟ " . فقال : الله ورسوله أعلم . أما نحن فوالله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "فإن الله قد حرم على النار من قال : لا إله إلا الله . يبتغي بذلك وجه الله " . قال محمود : فحدثتها قوما فيهم أبو أيوب ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته التي توفي فيها ، ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم ، فأنكرها علي أبو أيوب قال : والله ما أظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ما قلت قط . فكبر ذلك علي ، فجعلت لله علي إن سلمني حتى أقفل من غزوتي ، أن [ ص: 208 ] أسأل عنها عتبان بن مالك - رضي الله عنه - إن وجدته حيا في مسجد قومه ، فقفلت فأهللت بحجة -أو بعمرة- ، ثم سرت حتى قدمت المدينة فأتيت بني سالم ، فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه ، فلما سلم من الصلاة سلمت عليه وأخبرته من أنا ، ثم سألته عن ذلك الحديث ، فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة . [انظر : 424 - مسلم : 263 - فتح: 3 \ 60]

التالي السابق


حديث أنس سلف مسندا في باب الصلاة على الحصير . وحديث عائشة سلف في الكسوف .

ثم ذكر فيه حديث محمود بن الربيع : أنه عقل مجة مجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجهه . . إلى آخره .

وفيه : فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا ، وقد سلف في كتاب العلم ، وباب : المساجد في البيوت . وهو كما ترجم له من جواز الجماعة في النافلة . قال ابن حبيب : لا بأس أن يؤم النفر في النافلة في صلاة الضحى وغيرها كالرجلين والثلاثة ، وأما أن يكون مشتهرا جدا ، ويجتمع له الناس فلا . قاله مالك . واستثنى ابن حبيب قيام رمضان ; لما في ذلك من سنة أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم - .

ولنذكر هنا من فوائده فوق الخمسين فائدة ، فقد طال العهد به :

إحداها : أن من عقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعقل منه فعلا يعد صحابيا .

ثانيها : ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الرحمة لأولاد المؤمنين ، وفعل ذلك ليعقل عنه الغلمان ، وتعدلهم به الصحبة لينالوا فضلها ، وناهيك بها .

[ ص: 209 ] ثالثها : استئلافه لآبائهم بمزحه مع بنيهم .

رابعها : مزحه ليكرم به من يمازحه .

خامسها : استراحته في بعض الأوقات ; ليستعين على العبادة في وقتها .

سادسها : إعطاء النفس حقها ، ولا يشق عليها في كل الأوقات .

سابعها : اتخاذ الدلو .

ثامنها : أخذ الماء بالفم منه .

تاسعها : إلقاء الماء في وجه الطفل .

عاشرها : صلاة القبائل الذين حول المدينة في مساجدهم المكتوبة وغيرها .

الحادية عشرة : إمامة الضعيف البصر .

والتخلف عن المسجد في الطين والظلمة . وصلاة المرء المكتوبة وغيرها في بيته . وسؤال الكبير إتيانه إلى بيته ليتخذ مكان صلاته مصلى . وذكر المرء ما فيه من العلل متعذرا ، ولا تكون شكوى فيه .

وأجاب الشارع من سأله . وسير الأتباع مع التابع . وصحبة أفضل الصحابة إياه . وتسميته لأبي بكر وحده لفضله . وأن صاحب البيت أعلم بأماكن بيته فهو أدرى به .

الحادية بعد العشرين : التبرك بآثار الصالحين ، وطلب العين تقديما على الاجتهاد ، فإن كل موضع صلى فيه الشارع فهو عين لا يجتهد فيه ، وطلب الصلاة في موضع معين لتقوم صلاته فيه مقام الجماعة ببركة من صلى فيه ، وترك التطلع في نواحي البيت ، وصلاة النافلة جماعة في البيوت ، وفضل موضع صلاته - صلى الله عليه وسلم - ، وأن نوافل النهار تصلى ركعتين [ ص: 210 ] كالليل ، وأن المكان المتخذ مسجدا ملكه باق عليه ، وأن النهي أن يوطن الرجل مكانا للصلاة إنما هو في المساجد دون البيوت ، وصلاة الضحى .

الحادية بعد الثلاثين : صنع الطعام الكثير عند إتيانه لهم ، وإن لم يعلم بذلك ، وعدم التكلف فيما يصنع ، فكان لا يعيب طعاما ، وهو أدوم على فعل الخيرات .

والخزير بالخاء والزاي المعجمتين : طعام يتخذ من دقيق ولحم كما ذكر الخطابي . قال الجوهري : يقطع اللحم صغارا على ما في القدر ، فإذا نضج ذر عليه الدقيق ، وإن لم يكن لحما فهو عصيدة .

وقال ابن فارس : هي دقيق ملبك بشحم أي : يخلط بشحم ، كانت العرب تعير به .

وقال أبو الهيثم : إذا كان من دقيق فهي خزيرة ، وإن كان نخالة فهي حريرة . والاكتفاء بالإشارة . ويجوز أن يكون تلفظ به معها ، وأنه يعبر بالدار عن المحلة التي فيها الدور ، ومثله في الحديث : "خير دور الأنصار بنو النجار . . . " ثم عدد جماعة ، وفي آخره : "وفي كل دور الأنصار خير " . وكذا حديث : أمر ببناء المساجد في الدور ، وتنظيفها . أراد المحال . وكذا قوله تعالى : سأريكم دار الفاسقين

[ ص: 211 ] [الأعراف : 145] واجتماع القبيل إلى الموضع الذي يأتيه الكبير ليؤدوا حقه ، ويأخذوا حظهم منه ، وعيب من حضر على من تخلف ونسبته إلى أمر يتهم به ، وهو مالك بن الدخشم ، شهد بدرا واختلف في شهوده العقبة ، وظهر من حسن إسلامه ما ينفي عنه تهمة النفاق ، وكراهية من يميل إلى المنافقين في حديثه ومجالسته ، وأن من رمى مسلما بالنفاق لمجالسته لهم لا يعاقب ولا يقال له : أثمت . وأن الشارع كان يأتيه الوحي ولا شك فيه .

الحادية بعد الأربعين : أنه لا يحب الله ورسوله منافق ، وأن الكبير إذا علم بصحة اعتقاد من نسب إلى غيره يقول له : لا تقل ذلك . وأن من عيب بما يظهر منه لم يكن عيبة ، وأن من تلفظ بالشهادتين واعتقد حقيقة ما جاء به مات على ذلك فاز ودخل الجنة ، وأصابه بذنوبه سفع منها ، وإخبار من سمع الحديث من صاحب صاحبا مثله وغيره ليثبت ما سمع ويشهد ما عند الذي يخبره من ذلك ، وإنكار من روى حديثا من غير أن يقطع بنفيه ، وقيل : إن الإنكار ; لأن ظاهره تحريم دخول النار على من قال : لا إله إلا الله . كقول بعض أهل الأهواء .

وقيل : معنى التحريم هنا : تحريم الخلود في النار ، وغزو أرض الروم ، وكان أبو أيوب تخلف عن الخروج مع يزيد قبل ذلك العام ،

[ ص: 212 ] ثم ندم وقال : ما علي لو خرجت أقاتل على نفسي من الآخرة ، ولكل أحد ما يحتسب . والمراجعة ; فإن محمود بن الربيع الأنصاري أوجب على نفسه إن سلم أن يأتي عتبان فيسأله ، وكان محمود مقيما بالشام ، وذكر العمرة ليصف ما جرى وليتأسى به أن يجمع في طريقه العمرة والسفر إلى أبي أيوب والرحلة في العلم . وأن ذكر ما في الإنسان على وجه التعريف ليس عيبة لذكره عمى عتبان .

الحادية بعد الخمسين : إمامة الأعمى وجلب الحديث لصلاته بهم جماعة في النافلة ، والإسرار بالنوافل ، وفيه غير ذلك بما سلف ، فلا بد لك من مراجعته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث