الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إثم من أراد أهل المدينة بسوء والترغيب فيها عند فتح الأمصار

جزء التالي صفحة
السابق

2462 [ 1242 ] وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي -يريد عوافي السباع والطير- ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا ، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما .

رواه البخاري (1874)، ومسلم (1389) (499) .

[ ص: 501 ]

التالي السابق


[ ص: 501 ] وقوله " تتركون المدينة على خير ما كانت " ، تتركون بتاء الخطاب ، ومراده غير المخاطبين ، لكن فرعهم من أهل المدينة أو نسلهم ، و " على خير ما كانت " أي على أحسن حال كانت عليه فيما قبل ، وقد وجد هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنها صارت بعده - صلى الله عليه وسلم - معدن الخلافة وموضعها ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم ، حتى تنافس الناس فيها وتوسعوا في خططها ، وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن من قبل ، وبنوا فيها ، وشيدوا حتى بلغت المساكن إهاب ، كما سيأتي في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى ، وجلبت إليها خيرات الأرض كلها ، فلما انتهت حالها كمالا وحسنا انتقلت عنها الخلافة إلى الشام فغلبت عليها الأعراب وتعاورتها الفتن ، فخاف أهلها فارتحلوا عنها .

وذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي الطير والسباع ، كما قال صلى الله عليه وسلم ، ثم تراجع الناس إليها ، وفي حال خلائها غذت الكلاب على سواري المسجد. وعوافي الطير : هي الطالبة لما تأكل . يقال : عضوته ، أعضوه - إذا طلبت معروفه . وغذى الكلب يغذي : إذا بال دفعة بعد دفعة .

وقوله " ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمهما " ; أي : يصيحان بها ليسوقاها . والنعاق : صوت السائق للغنم . ومنه قوله تعالى : كمثل الذي ينعق بما لا يسمع [البقرة: 171].

وقوله " فيجدانها وحشا " ; أي خلاء ، يقال : أرض وحش - أي خالية ، ومشى وحشا ; أي : وحده . قاله الحربي . ويحتمل أن يكون معناه : كثيرة الوحش ; كما قال في البخاري " فيجدانها وحوشا " ، أي : يجدان المدينة كثيرة الوحوش لما [ ص: 502 ] خلت من سكانها ، كما قال للعوافي . والوحش : كل ما توحش من الحيوان ، وجمعه : وحوش. والضمير في " يجدانها " على هذا راجع للمدينة ، وقيل : إنه عائد على الغنم ; أي : صارت هي وحوشا ، إما بأن تنقلب كذلك - والقدرة صالحة - وإما بأن تتوحش فتنفر من أصوات الرعاة .

و " خرا على وجوههما " ; أي : سقطا ميتين . وهذا الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث الراعيين إنما يكون في آخر الأمر عند انقراض الدنيا ، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث " آخر من يحشر راعيان من مزينة " ، قيل : معناه آخر من يموت بها فيحشر ; لأن الحشر بعد الموت . ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخير موتهما .

قلت : ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة ; أي : يساق إليها - كما في لفظ كتاب مسلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث