الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( خيار المتبايعين ) أي باب خيار المتبايعين ، فحذف اختصارا . ( 2752 ) مسألة ; قال أبو القاسم رحمه الله : ( والمتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما ) في هذه المسألة ثلاثة فصول :

( 2753 ) فصل : أحدها أن البيع يقع جائزا ، ولكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع ، ما داما مجتمعين ، لم يتفرقا ، وهو قول أكثر أهل العلم ، يروى ذلك عن عمر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي برزة ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وشريح ، والشعبي ، وعطاء ، وطاوس ، والزهري والأوزاعي ، وابن أبي ذئب ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور .

وقال مالك وأصحاب الرأي : يلزم العقد بالإيجاب والقبول ، ولا خيار لهما ; لأنه روي عن عمر رضي الله عنه : البيع صفقة أو خيار . ولأنه عقد معاوضة ، فلزم بمجرده ، كالنكاح والخلع .

ولنا ، ما روى ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ، ما لم يتفرقا ، وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك ، فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك أحدهما البيع ، فقد وجب البيع } . متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم : { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا } . رواه الأئمة كلهم . ورواه عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وأبو برزة الأسلمي . واتفق على حديث ابن عمر ، وحكيم ، ورواه عن نافع ، عن ابن عمر ، مالك ، وأيوب ، وعبيد الله بن عمر ، وابن جريج ، والليث بن سعد ، ويحيى بن سعيد ، وغيرهم . وهو صريح في حكم المسألة . وعاب كثير من أهل العلم على مالك مخالفته للحديث ، مع روايته له ، وثبوته عنده ، وقال الشافعي ، رحمه الله : لا أدري هل اتهم مالك نفسه أو نافعا ؟ وأعظم أن أقول : عبد الله بن عمر . وقال ابن أبي ذئب : يستتاب مالك في تركه لهذا الحديث .

فإن قيل : المراد بالتفرق هاهنا التفرق بالأقوال ، كما قال الله تعالى : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة } . أي بالأقوال والاعتقادات . قلنا : هذا باطل لوجوه : منها ، أن اللفظ لا يحتمل ما قالوه ; إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد ، إنما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه . الثاني ، أن هذا يبطل فائدة الحديث ; إذ قد علم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه ، أو تركه . الثالث ، أنه قال في الحديث : { إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار } .

فجعل لهما الخيار بعد تبايعهما ، وقال : { وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك أحدهما البيع ، فقد وجب البيع } . الرابع ، أنه يرده تفسير ابن عمر للحديث بفعله ، فإنه كان إذا بايع رجلا مشى خطوات ; ليلزم البيع ، وتفسير أبي برزة له ، [ ص: 6 ] بقوله على مثل قولنا ، وهما راويا الحديث ، وأعلم بمعناه ، وقول عمر : البيع صفقة أو خيار . معناه ، أن البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه الخيار ، وبيع لم يشترط فيه ، سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه ، فإنه قد روى عنه أبو إسحاق الجوزجاني مثل مذهبنا ، ولو أراد ما قالوه ، لم يجز أن يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم فلا حجة في قول أحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم

وقد كان عمر إذا بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم رجع عن قوله ، فكيف يعارض قوله بقوله ؟ على أن قول عمر ليس بحجة إذا خالفه بعض الصحابة ، وقد خالفه ابنه ، وأبو برزة ، وغيرهما ، ولا يصح قياس البيع على النكاح ; لأن النكاح لا يقع غالبا إلا بعد روية ونظر وتمكث ، فلا يحتاج إلى الخيار بعده ، ولأن في ثبوت الخيار فيه مضرة ، لما يلزم من رد المرأة بعد ابتذالها بالعقد ، وذهاب حرمتها بالرد ، وإلحاقها بالسلع المبيعة ، فلم يثبت فيه خيار لذلك ، ولهذا لم يثبت فيه خيار الشرط ، ولا خيار الرؤية ، والحكم في هذه المسألة ظاهر ; لظهور دليله ، ووهاء ما ذكره المخالف في مقابلته ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث