الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

3680 - ( وعن أبي أمامة : { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال : الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ، ولا مودع ، ولا مستغنى عنه ربنا } رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه .

وفي لفظ : { كان إذا فرغ من طعامه قال : الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفي ولا مكفور } رواه البخاري ) .

3681 - ( وعن أبي سعيد قال : { كان إذا أكل أو شرب قال : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين } رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ) [ ص: 191 ]

3682 - ( وعن معاذ بن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من أكل طعاما فقال : الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه } رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال : حديث حسن غريب ) .

3683 - ( وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من أطعمه الله طعاما فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وأطعمنا خيرا منه ، ومن سقاه الله لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه } ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ليس شيء يجزي مكان الشراب والطعام غير اللبن } رواه الخمسة إلا النسائي ) .

التالي السابق


حديث أبي سعيد أخرجه أيضا النسائي وذكره البخاري في تاريخه الكبير ، وساق اختلاف الرواة فيه ، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري ، وفي إسناده إسماعيل بن رباح السلمي وهو مجهول .

وحديث معاذ بن أنس أخرجه الترمذي من طريق محمد بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الله بن يزيد المقبري ، حدثنا سعيد بن أيوب ، حدثني أبو مرحوم وهو عبد الرحمن بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ، وساق الحديث ثم قال : هذا حديث حسن غريب .

وحديث ابن عباس وغيره ولكن لفظ أبي داود : { إذا أكل أحدكم طعاما فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وأطعمنا خيرا منه ، وإذا سقي لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن } ولفظ الترمذي { من أطعمه الله طعاما فليقل : اللهم بارك فيه وأطعمنا خيرا منه ، ومن سقاه الله لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن } وقد حسن هذا الحديث الترمذي ، ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان عن عمر بن حرملة ، وقد ضعف علي بن زيد جماعة من الحفاظ . وعمر بن حرملة سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال : بصري لا أعرفه إلا في هذا الحديث قوله : ( إذا رفع مائدته ) قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم يأكل على خوان قط كما في حديث أنس ، والمائدة : هي خوان عليه طعام ، فأجاب بعضهم بأن أنسا ما رأى ذلك ورآه غيره والمثبت يقدم على النافي . قال في الفتح : وقد تطلق المائدة ويراد بها نفس الطعام . وقد نقل عن البخاري أنه قال : إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع قيل رفعت المائدة قوله : ( غير مكفي ) بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التحتانية .

قال ابن بطال : يحتمل أن يكون [ ص: 192 ] من كفأت الإناء ، فالمعنى غير مردود عليه إنعامه ، ويحتمل أن يكون من الكفاية : أي أن الله غير مكفي رزق عباده لأنه لا يكفيهم أحد غيره . وقال ابن التين : أي غير محتاج إلى أحد لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم هذا قول الخطابي . وقال القزاز : معناه أنا غير مكتف بنفسي عن كفايته . وقال الداودي : معناه لم أكتف من فضل الله ونعمته . قال ابن التين : وقول الخطابي أولى لأن مفعولا بمعنى مفتعل فيه بعد وخروج عن الظاهر . قال في الفتح : وهذا كله على أن الضمير لله ، ويحتمل أن يكون الضمير للحمد . وقال إبراهيم الحربي : الضمير للطعام ، ومكفي بمعنى مقلوب من الإكفاء وهو القلب .

وذكر ابن الجوزي عن أبي منصور الجواليقي أن الصواب غير مكافأ بالهمز : أي أن نعمة الله لا تكافأ ا هـ . وقد ثبت هكذا في حديث أبي هريرة ، ويؤيد هذا لفظ " كفانا " الواقع في الرواية الأخرى ; لأن الضمير فيه يعود إلى الله تعالى بلا ريب ، إذ هو تعالى هو الكافي لا المكفي ، وكفانا هو من الكفاية وهو أعم من الشبع والري وغيرهما ، فأروانا على هذا من الخاص بعد العام . ووقع في رواية ابن السكن " وآوانا " بالمد من الإيواء قوله : ( ولا مودع ) بفتح الدال الثقيلة : أي غير متروك . ويحتمل أنه حال من القائل : أي غير تارك قوله : ( ولا مستغنى عنه ) بفتح النون وبالتنوين قوله : ( ربنا ) بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي هو ربنا ، أو على أنه مبتدأ وخبره متقدم عليه ، ويجوز النصب على المدح أو الاختصاص أو إضمار أعني .

قال ابن التين : ويجوز الجر على أنه بدل من الضمير في عنه ، وقال غيره : على البدل من الاسم في قوله : " الحمد لله " وقال ابن الجوزي : ربنا بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء قوله : ( ولا مكفور ) أي مجحود فضله ونعمته ، وهذا أيضا مما يقوي أن الضمير لله تعالى قوله : ( إذا أكل أو شرب ) لفظ أبي داود " كان إذا فرغ من طعامه " والمذكور في الباب لفظ الترمذي .

وفي حديث أبي هريرة عند النسائي والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم مرفوعا { الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسا من العري وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا } قوله : ( وزدنا منه ) هذا يدل على الروايات التي ذكرناها أنه ليس في الأطعمة والأشربة خير من اللبن ، وظاهره أنه خير من العسل الذي هو شفاء ، لكن قد يقال إن اللبن باعتبار التغذي والري خير من العسل ومرجح عليه ، والعسل باعتبار التداوي من كل داء وباعتبار الحلاوة مرجح على اللبن ، ففي كل منهما خصوصية يترجح بها ، ويحتمل أن المراد وزدنا لبنا من جنسه وهو لبن الجنة كما في قوله تعالى: { هذا الذي رزقنا من قبل } قوله : ( فإنه ليس يجزي ) بضم أوله من الطعام : أي بدل الطعام كقوله تعالى : { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } أي بدلها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث