الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دية ذهاب المنافع أو نقصانها

جزء التالي صفحة
السابق

فصل في دية المنافع . وفي كل حاسة دية كاملة وهي السمع والبصر والشم والذوق . وكذلك تجب في الكلام والعقل والمشي والأكل والنكاح وتجب في الحدب ، والصعر ، وهو أن يضربه فيصير الوجه في جانب ، وفي تسويد الوجه إذا لم يزل ، وإذا لم يستمسك الغائط أو البول ففي كل واحد من ذلك دية كاملة . وفي نقص شيء من ذلك إن علم بقدره مثل نقص العقل بأن يجن يوما ويفيق يوما ، أو ذهاب بصر إحدى العينين ، أو سمع إحدى الأذنين ، وفي بعض الكلام بالحساب يقسم على ثمانية وعشرين حرفا ، ويحتمل أن يقسم على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفوية كالباء ، والفاء ، والميم . وإن لم يعلم قدره ، مثل أن صار مدهوشا ، أو نقص سمعه ، أو بصره ، أو شمه ، أو حصل في كلامه تمتمة ، أو عجلة ، أو نقص مشيه ، أو انحنى قليلا ، أو تقلست شفته بعض التقلس ، أو تحركت سنه ، أو ذهب اللبن من ثدي المرأة ، ونحو ذلك ، ففيه حكومة .

التالي السابق


فصل

في دية المنافع

لما تمم الكلام على ديات الأعضاء كالعينين ، ونحوهما - شرع يتكلم في دية المنافع ، وهي السمع والبصر ونحوهما ( وفي كل حاسة دية كاملة ) كذا عبارة الأصحاب ، يقال : حس وأحس ، أي : علم وأيقن ، وبألف أفصح ، وبها جاء القرآن ، وإنما يصح قولهم : الحاسة ، والحواس الخمس على اللغة القليلة ، والأشهر في حس بلا ألف بمعنى قتل ، وقال الجوهري : الحواس المشاعر الخمس : السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس . ( وهي السمع ) بغير خلاف ، وسنده قوله - عليه السلام - وفي السمع الدية وروي أن عمر قضى في رجل رمى آخر بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه ونكاحه بأربع ديات ، والرجل حي . رواه أبو المهلب ، ولأنها حاسة تختص بنفع ، فكان فيها الدية كالبصر ، فإن ذهب من أحدهما فقط وجب نصفها كالبصر ( والبصر ) من العينين المبصرتين من المسلم دية كاملة إجماعا ( والشم ) لأن ذلك في كتاب عمرو بن حزم ، قال القاضي : ولأنه حاسة تختص بمنفعة كسائر الحواس ( والذوق ) ذكره أبو الخطاب ، والمعظم ; لأن الذوق حاسة ، أشبه الشم ، وقياس المذهب [ ص: 380 ] أنه لا دية فيه ، وإنما تجب الحكومة . صححه المؤلف ; لأن لسان الأخرس لا دية فيه إجماعا على أنها لا تكمل في ذهاب الذوق بمفرده ; لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته ، لا تكمل في منفعته كسائر الأعضاء ، قال في " الشرح " : ولا تفريع على هذا القول ( وكذلك تجب في الكلام ) لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته كاليد ( والعقل ) بالإجماع وسنده ما في كتاب عمرو بن حزم ; لأنه أكثر المعاني قدرا وأعظم الحواس نفعا ، فإنه يتميز به عن البهيمة ، ويعرف به صحة حقائق المعلومات ، ويهتدي به إلى المصالح ، ويدخل به في التكليف ، وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات ، فكان أولى من بقية الحواس .

فرع : إذا نقص نقصا معلوما وجب بقدره ، وإن لم يعرف قدره فحكومة ، وإن كانت الجناية المذهبة للعقل - ولها أرش كالموضحة - - وجبت الدية وأرش الجرح ، ولا تدخل أرش الجناية المذهبة له في ديته . نص عليه كما لو أوضحه فذهب بصره ، وقيل : بلى ، ويدخل الأقل في الأكثر ( والمشي ) لأن منفعته مقصودة ، أشبه الكلام ( والأكل ) لأنه نفع مقصود كالشم ( والنكاح ) أي : إذا كسر صلبه فذهب نكاحه ففيه الدية ، روي عن علي ; لأنه مقصود ، أشبه ذهاب المشي ( وتجب في الحدب ) بفتح الحاء والدال مصدر حدب بكسر الدال إذا صار أحدب ; لأن بذلك تذهب المنفعة ، والجمال ; لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال ، وبه يشرف الآدمي على سائر الحيوانات ، وهذا الذي ذكره المؤلف في الكلام وما بعده هو رواية عن أحمد ، واختاره المجد ، وجزم به [ ص: 381 ] في " الوجيز " وخالف فيه القاضي وغيره ، وهو ظاهر المذهب ، قاله ابن الجوزي ( والصعر ، وهو أن يضربه فيصير الوجه في جانب ) نص عليه ، وأصل الصعر داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي منه عنقه ، قال الله تعالى ولا تصعر خدك للناس [ لقمان : 18 ] أي : لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا ، وهو قول زيد ، رواه مكحول ، ولم نعرف له مخالفا ، فكان كالإجماع ، ولأنه أذهب الجمال والمنفعة ، فوجب فيه ديته كسائر المنافع ، وقال في " المغني " ، و " الشرح " ، و " الترغيب " : أو لا يبلع ريقه ففيه الدية ; لأنه تفويت منفعة ليس لها مثل في البدن ( وفي تسويد الوجه إذا لم يزل ) لأنه فوت الجمال على الكمال فضمنه بديته كما لو قطع أذني الأصم ، وظاهره : أنه إذا صفر وجهه ، أو حمره تجب حكومة ; لأنه لم يذهب الجمال على الكمال ، وفي " المبهج " ، و " الترغيب " إذا أزال لونه إلى غيره ففيه الدية ( وإذا لم يستمسك الغائط ، أو البول ) بأن ضرب بطنه ، فلم يستمسك الغائط ، أو المثانة فلم يستمسك البول ( ففي كل واحد من ذلك دية كاملة ) بغير خلاف نعلمه إلا أن أبا موسى ذكر في المثانة رواية ثلث الدية ، كإفضاء المرأة ، والصحيح الأول ; لأن كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كثيرة ليس في البدن مثلها ، فإن نفع المثانة حبس البول ، وحبس البطن الغائط منفعة مثلها ، والضرر بفواتهما عظيم ، فكان في كل واحد منهما الدية كالسمع ، والبصر ، فإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب ديتان .

فرع : إذا جنى عليه ، فذهب عقله وسمعه وبصره ولسانه وجب أربع ديات لقضاء عمر ، ذكره أحمد في رواية ولده عبد الله كما لو جنى عليه جنايات ، [ ص: 382 ] فأذهبها ، ويجب مع ذلك أرش الجراح ، فإن من مات من الجناية لم تجب إلا دية واحدة ; لأن ديات المنافع تدخل في دية النفس كديات الأعضاء ( وفي نقص شيء من ذلك إن علم بقدره ) لأن ما وجب في جميع الشيء وجب في بعضه بقدره كإتلاف المال ( مثل نقص العقل بأن يجن يوما ويفيق يوما ، أو ذهاب بصر إحدى العينين ، أو سمع إحدى الأذنين ) لما ذكرناه ، وهو أن ما وجبت فيه الدية وجب بعضها في بعضه كالأصابع ، واليدين .

مسألة : قال في " الترغيب " وغيره : ومنفعة الصوت ومنفعة البطش فلكل واحد الدية ، وفي " الفنون " لو سقاه ذرق حمام فذهب صوته لزمه حكومة ( وفي بعض الكلام بالحساب يقسم على ثمانية وعشرين حرفا ) سوى " لا " فإن مخرجها مخرج اللام والألف ، فمهما نقص من الحروف نقص من الدية بقدره ; لأن الكلام يتم بجميعها ، فالذاهب يجب أن يكون عوضه من الدية كقدره من الكلام ، ففي الحرف الواحد ربع سبع الدية ، وفي الحرفين نصف سبعها ، ولا فرق بين ما خف على اللسان أو ثقل ; لأن كل ما وجب فيه المقدر لم يختلف لاختلاف قدره كالأصابع ( ويحتمل أن يقسم على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفوية كالباء ، والفاء ، والميم ) والواو دون حروف الحلق الستة ، وهي : الهمزة ، والهاء ، والحاء ، والخاء ، والعين ، والغين . فهذه عشرة ، بقي ثمانية عشر ، فاللسان تقسم ديته عليها ; لأن الدية تجب بقطع اللسان وذهاب هذه الحروف وحدها مع بقائه ، فإذا وجبت الدية فيها بمفردها وجبت في بعضها بقسطه منها ، وفي " الكافي " : إن اللسان لا عمل له فيها ، والأول [ ص: 383 ] أولى ; لأن هذه الحروف ينطق بها اللسان أيضا بدليل أن الأخرس لا ينطق بشيء منها ( وإن لم يعلم قدره مثل أن صار مدهوشا ) يفزع مما لا يفزع منه ويستوحش إذا خلا ( أو نقص سمعه ، أو بصره ) وذكر جماعة في نقص بصر ، نزنه بالمسافة ، فلو نظر الشخص على مائتي ذراع ، فنظره على مائة ، فنصف الدية ، وفي " الوسيلة " : لو لطمه فذهب بعض بصره ، فالدية في ظاهر كلامه ( أو شمه ، أو حصل في كلامه تمتمة ، أو عجلة ) أو صار ألثغ ( أو نقص مشيه ، أو انحنى قليلا ، أو تقلست شفته بعض التقلس ، أو تحركت سنه ، أو ذهب اللبن من ثدي المرأة ، ونحو ذلك ، ففيه حكومة ) لما حصل من النقص ، والشين ، ولم تجب الدية ; لأن المنفعة باقية ، وقيل : إن ذهب اللبن فالدية ، وإن جنى عليه جان آخر فأذهب كلامه ، فالدية كاملة كما لو جنى على عينه جان فعمشت ، ثم جنى عليه آخر فأذهب بصرها .

فرع : إذا أذهب كلام الألثغ ، فإن كان مأيوسا من ذهاب لثغته ، ففيه بقسط ما ذهب من الحروف وغير المأيوس كصغير فيه الدية ، وكذا كبير إذا أمكن إزالة لثغته بالتعليم .

أصل : إذا نقص ذوقه نقصا غير مقدر بأن يحسن المذاق الخمس ، وهي الحلاوة ، والحموضة ، والمرارة ، والملوحة ، والعذوبة إلا أنه لا يدركه على الكمال ففيه حكومة كنقص بصره نقصا لا يتقدر ، وإن لم يدرك أحدها وأدرك الباقي ففيه خمس الدية ، وفي اثنين خمساها ، وفي ثلاثة ثلاثة أخماسها ، وإن لم يدرك واحدة فعليه الدية إن قلنا بوجوبها فيه وإلا فحكومة .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث