الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل : ولا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف في إحدى الروايتين . والأخرى يفعل به كما فعل فلو قطع يده ، ثم قتله فعل به ذلك ، وإن قتله بحجر ، أو غرقه ، أو غير ذلك فعل به مثل ذلك . وإن قطع يده من مفصل ، أو غيره ، أو أوضحه فمات فعل به كفعله ، فإن مات وإلا ضربت عنقه ، وقال القاضي : يقتل ولا يزاد على ذلك ، رواية واحدة ، وإن قتله بمحرم في نفسه كتجريع الخمر ، واللواط ، ونحوه - قتل بالسيف رواية واحدة ، ولا تجوز الزيادة على ما أتى به رواية واحدة ، ولا قطع شيء من أطرافه ، فإن فعل فلا قصاص فيه وتجب فيه ديته . سواء عفا عنه ، أو قتله .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل

                                                                                                                          ( ولا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف ) في العنق ، وإن كان القتل بغيره ( في إحدى الروايتين ) قدمها في " المحرر " ، و " الفروع " ، وجزم بها في " الوجيز " ، واختارها الأصحاب لما روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا قود إلا بالسيف رواه ابن ماجه ، ، والدارقطني ، ، والبيهقي من غير طريق ، وقال أحمد : ليس إسناده بجيد ، ولأن القصاص أحد بدلي النفس فدخل الطرف [ ص: 292 ] في حكم الجملة كالدية ، ونهى عن المثلة ، ولأن فيه زيادة تعذيب وكما لو قتله بالسيف ، قال في " الانتصار " وغيره في قود : وحق الله لا يجوز في النفس إلا بسيف ; لأنه أوحى ، لا بسكين ، ولا في طرف إلا بها لئلا يحيف ، وإن الرجم بحجر ، لا يجوز بسيف ( والأخرى : يفعل به كما فعل ) وقتله بسيف ، وقاله الأكثر ، واختاره الشيخ تقي الدين لقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ النحل : 126 ] ولقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [ البقرة : 194 ] ولأنه - عليه السلام - رض رأس يهودي . . . الخبر ، ولقوله - عليه السلام - من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه رواه البيهقي من حديث البراء بن عازب ، وفي إسناده مقال ، ولأن القصاص موضوع على المماثلة ولفظه مشعر به فيجب أن يستوفي منه ما فعل كما لو ضرب العنق آخر غيره وعليها إن مات وإلا ضربت عنقه ، وفي " الانتصار " احتمال ، أو الدية بغير رضاه ( فلو قطع يده ، ثم قتله فعل به ذلك ) لما عرفت ( وإن قتله بحجر ، أو غرقه أو غير ذلك ) من أنواع القتل غير ما استثني ( فعل به مثل ذلك ) لما ذكرنا ، واختاره أبو محمد الجوزي ، وعنه : يفعل به كفعله إن كان فعله موجبا ، وعنه : أو موجبا لقود طرفه لو انفرد ، فعلى المذهب : لو فعل لم يضمن ، وأنه لو قطع طرفه ، ثم قتله قبل البرء ففي دخول قود طرفه في قود نفسه لدخوله في الدية روايتان ، قال في " الترغيب " فائدته لو عفا عن النفس سقط القود في الطرف ; لأن قطع السراية كاندماله ومتى فعل به الولي كما فعل لم يضمنه بشيء ، وإن حرمناه ، وإن زاد ، أو تعدى بقطع طرفه [ ص: 293 ] فلا قود ويضمنه بديته ، عفا عنه أو لا ، وقيل : إن لم يسر القطع ( وإن قطع يده من مفصل ، أو غيره ، أو أوضحه فمات فعل به كفعله ) للكتاب ، والسنة واعتبار المماثلة ( فإن مات وإلا ضربت عنقه ) لأن ذلك مستحق لكونه ترتب على فعله القتل ، فإذا لم يحصل بمثل ما فعل تعين ضرب العنق لكونه وسيلة إلى استيفاء القتل المستحق عليه ( وقال القاضي : يقتل ) لأن القصاص أحد بدلي النفس فدخل بالقطع وغيره في القتل كالدية ( ولا يزاد على ذلك رواية واحدة ) أي : لا يقتص منه في الطرف رواية واحدة لإفضائه إلى الزيادة ، قال المؤلف : والصحيح تخريجه على الروايتين ، وليس هذا بزيادة ; لأن فوات النفس بسراية فعله ، وهو كفعله ، أشبه ما لو قطعه ، ثم قتله ( وإن قتله بمحرم في نفسه كتجريع الخمر ، واللواط ، ونحوه ) كالسحر لم يقتله بمثله وفاقا ( قتل بالسيف رواية واحدة ) لأن هذا محرم لعينه فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف ; لأن قتله بمثل فعله غير ممكن ، وإن حرقه ، فقال بعض أصحابنا : لا يحرق للنهي عنه ، وقال القاضي : الصحيح أن فيه روايتين كالتغريق ، والثانية : يحرق ، وقاله مسروق ، وقتادة وحملوا النهي على غير القصاص ( ولا تجوز الزيادة على ما أتى به رواية واحدة ) لأن الزيادة على فعله تعد عليه ، فلم يجز كما لو لم يكن قاتلا ( ولا قطع شيء من أطرافه ) لأن ذلك زيادة على ما أتى به ( فإن فعل ، فلا قصاص فيه ) لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهة ، وهي هنا متحققة ; لأنه مستحق لإتلاف الطرف ضمنا لاستحقاقه إتلاف الجملة ( وتجب فيه ) أي : في الزائد ( ديته ) لأن ذلك [ ص: 294 ] حصل بالتعدي ، أشبه ما لو لم يكن المقطوع مكافئا ( سواء عفا عنه ، أو قتله ) لأن استحقاق إتلاف الطرف موجود في حالتي العفو ، والقتل .

                                                                                                                          لواحق : إذا كان الجاني قطع يده فقطع المستوفي رجله فقيل : كقطع يده لاستوائهما ، وقيل : دية رجله ; لأن الجاني لم يقطعها ، وإن استحق قطع إصبع فقطع ثنتين فحكمه حكم القطع ابتداء ، وإن ظن ولي دم أنه اقتص في النفس ، فلم يكن وداواه أهله حتى برئ ، فإن شاء الولي دفع إليه دية فعله وقتله وإلا تركه . هذا رأي عمر ، وعلي ، ويعلى بن أمية ، ذكره أحمد ، وإذا اقتص بآلة كالة ، أو مسمومة فسرى ، فقال القاضي : عليه نصف الدية ; لأنه تلف بفعل جائز ومحرم كما لو جرحه في ردته وإسلامه فمات منهما ، ويحتمل : يلزمه ضمان السراية كلها ; لأن هذا الفعل كله محرم .




                                                                                                                          الخدمات العلمية