الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة

جزء التالي صفحة
السابق

فصل ولا تحمل العاقلة عمدا ، ولا عبدا ، ولا صلحا ، ولا اعترافا ، ولا ما دون ثلث الدية ، ويكون ذلك في مال الجاني حالا ، إلا غرة الجنين إذا مات مع أمه ، فإن العاقلة تحملها مع دية أمه ، وإن ماتا منفردين لم تحملها العاقلة ، لنقصها عن الثلث ، وتحمل جناية الخطأ على الحر إذا بلغت الثلث .

التالي السابق


فصل

: ( ولا تحمل العاقلة عمدا ) سواء كان مما يجب فيه القصاص أو لا ، لما روى ابن عباس مرفوعا ، قال : لا تحمل العاقلة : عمدا ، ولا عبدا ، ولا صلحا ، ولا اعترافا . وروي عن ابن عباس موقوفا ، ولم يعرف له في الصحابة مخالف ، [ ص: 21 ] فيكون كالإجماع ، وعن عمر ، قال : العمد ، والعبد ، والصلح ، والاعتراف لا تعقله العاقلة . رواه الدارقطني . وحكى أحمد عن ابن عباس نحوه ، قال الزهري : مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاءوا . رواه مالك . ولأن حمل العاقلة إنما ثبت في الخطأ لكون الجاني معذورا ، تخفيفا عنه ومواساة له ، والعامد غير معذور ، ثم يبطل بقتل الأب ابنه ، فإنه لا قصاص فيه ، ولا تحمله العاقلة ، فلو قتله بحديدة مسمومة ، فسرى إلى النفس ، فوجهان : أحدهما : تحمله العاقلة ، لأنه ليس بعمد ، والثاني : لا ، لأنه قتل بما لم يقتل مثلها غالبا ، أشبه من له القصاص ( ولا عبدا ) وهو قول ابن عباس وجماعة من التابعين ، ومعناه : إذا قتل العبد قاتل وجبت قيمته في مال القاتل ، ولا شيء على عاقلته ، خطأ كان أو عمدا ( ولا صلحا ) لأنه لو حملته العاقلة أدى إلى أن يصالح بمال غيره ، ويوجب عليه حقا بقوله ، ومعناه : أن يدعى عليه القتل فينكره ، ويصالح المدعي على مال فلا تحمله العاقلة ، لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره كالذي ثبت باعترافه ، وفسره القاضي وغيره بأن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية ، والأول أولى ، قاله في المغني والشرح ، لأن هذا يستغنى عنه بذكر العمد ، بل معناه صالح عنه صلح إنكار وجزم به في الروضة ( ولا اعترافا ) أي : لم تصدقه به بغير خلاف نعلمه ، لأنه متهم في أن يواطئ من يقر له بذلك ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمه إياها ، ولأنه لا يقبل إقرار شخص على غيره ، وحينئذ يلزمه ما اعترف ، ومعناه بأن يقر على نفسه بجناية خطأ أو شبه عمد فوجب ثلث الدية فأكثر إن لم تصدقه العاقلة ( ولا ما دون ثلث [ ص: 22 ] الدية ) كأرش الموضحة ، نص على ذلك لقضاء عمر أنها لا تحمل شيئا حتى يبلغ عقل المأمومة ، ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني ، لأنه هو المتلف ، فكان عليه كسائر المتلفات ، لكن خولف في الثلث لإجحافه بالجاني لكثرته ، فما عداه يبقى على الأصل ، والثلث حد الكثير للخبر ( ويكون ذلك ) أي : دية العمد وما بعده ( في مال الجاني ) لما ذكرنا أن مقتضى الأصل وجوب الجناية على الجاني ( حالا ) لأنه بدل متلف ، فكان حالا كقيمة المتلف من المتاع ( إلا غرة الجنين إذا مات مع أمه ، فإن العاقلة تحملها مع دية أمه ) نص عليه ، لأن ديتهما وجبت في حال واحدة بجناية واحدة ، مع زيادتها على الثلث ، وظاهره سواء سبقته بالزهوق أو سبقها به ، لأن الجناية واحدة ، وإنما تأخر بعض أثرها عن بعض ، وذلك لا يضر ، وقال أحمد : هذا من قبل أنها نفس واحدة ، وقال : الجناية عليهما واحدة ، فقيل له : النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في كل منهما دية ، فقد فصل بينهما ، فلم يجب بشيء ، وفي عيون المسائل خبر المرأة التي قتلت المرأة وجنينها ، قال : فوجه الدليل أنه قضى بدية الجنين على الجانية حيث لم تبلغ الثلث ، ونقل ابن منصور : إذا شربت دواء عمدا فأسقطت جنينا فالدية على العاقلة ، قال في الفروع : فيتوجه منه احتمال تحمل القليل ، وقد يقال : هذا مختص بالجنين ، لكون ديته دية نفس ، فيكون منزلا منزلة الدية الكاملة ، وإن كان دون الثلث لكونه دية نفس ( وإن ماتا منفردين ) بجنايتين صرح به في الوجيز ( لم تحملها العاقلة ) نص عليه ( لنقصها عن الثلث ) لأن الواجب في ذلك غرة قيمتها خمس من الإبل ، وهي دون ثلث الدية ( وتحمل جناية الخطأ على الحر إذا بلغت [ ص: 23 ] الثلث ) لحديث أبي هريرة ، وفي تقييده بالخطأ والحر وبلوغ الثلث احتراز عن : العمد ، والعبد ، وما دون الثلث .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث