الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط جواز إقامة الحدود

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط جواز إقامتها فمنها ما يعم الحدود كلها ، ومنها ما يخص البعض دون البعض ، أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة : وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام أو من ولاه الإمام وهذا عندنا ، وعند الشافعي هذا ليس بشرط ، وللرجل أن يقيم الحد على مملوكه - إذا ظهر الحد عنده بالإقرار أربعا عندنا ، ومرة عنده وبالمعاينة بأن رأى عبده زنى بأجنبية ، ولو ظهر عنده بالشهود بأن شهدوا عنده والمولى من أهل القضاء - فله فيه قولان ، وكذا في إقامة المرأة الحد على مملوكها ، وإقامة المكاتب الحد على عبد من أكسابه له فيه قولان ، احتج بما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } وهذا نص .

وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : { إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ، فإن عادت - فليجلدها ، فإن عادت - فليجلدها ، فإن عادت - فليبعها ولو بضفير } أي بحبل ، وهذا أيضا نص في الباب ; ولأن السلطان إنما ملك الإقامة ; لتسلطه على الرعية ، وتسلط المولى على مملوكه فوق تسلط السلطان على رعيته ، ألا ترى أنه يملك الإقرار عليه بالدين ، ويملك عليه التصرفات ، والإمام لا يملك شيئا من ذلك : فلما ثبت الجواز للسلطان فالمولى أولى ; ولهذا ملك إقامة التعزير عليه ، كذا الحد .

( ولنا ) أن ولاية إقامة الحدود ثابتة للإمام بطريق التعيين ، والمولى لا يساويه فيما شرع له بهذه الولاية ، فلا يثبت له ولاية الإقامة استدلالا بولاية إنكاح الصغار والصغائر ; لأنها لما ثبتت للأقرب - لم تثبت لمن لا يساويه فيما شرع له الولاية وهو الأبعد ، وبيان ذلك أن ولاية إقامة الحد إنما ثبتت للإمام ; لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ; لأن القضاة يمتنعون من التعرض خوفا من إقامة الحد عليهم ، والمولى لا يساوي الإمام في هذا المعنى ; لأن ذلك يقف على الإمامة ، والإمام قادر على الإقامة ; لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهرا وجبرا ، ولا يخاف تبعة الجناة وأتباعهم ; لانعدام المعارضة بينهم وبين الإمام ، وتهمة الميل والمحاباة والتواني عن الإقامة منتفية في حقه فيقيم على وجهها فيحصل الغرض المشروع له الولاية بيقين .

وأما المولى فربما يقدر على الإقامة نفسها وربما لا يقدر ; لمعارضة العبد إياه ; ولأنه رقباني مثله يعارضه فيمنعه عن الإقامة - خصوصا عند خوف الهلاك على نفسه - فلا يقدر على الإقامة ، وكذا المولى يخاف على نفسه وماله من العبد الشرير ، ولو قصد إقامة الحد عليه أن يأخذ بعض أمواله ويقصد إهلاكه ، ويهرب منه فيمتنع عن الإقامة ، ولو قدر على الإقامة فقد يقيم [ ص: 58 ] وقد لا يقيم ; لما في الإقامة من نقصان قيمته بسبب عيب الزنا والسرقة ، أو يخاف سراية الجلدات إلى الهلاك .

والمرء مجبول على حب المال ، ولو أقام - فقد يقيم على الوجه وقد لا يقيم على الوجه ، بل من حيث الصورة فلا يحصل الزجر ، فثبت أن المولى لا يساوي الإمام في تحصيل ما شرع له إقامة الحد ، فلا يزاحمه في الولاية بخلاف التعزير من وجهين : أحدهما - أن التعزير : هو التغيير والتوبيخ وذلك غير مقدر ، فقد يكون بالحبس وقد يكون برفع الصوت وتعبيس الوجه ، وقد يكون بضرب أسواط على حسب الجناية وحال الجاني ; لما نذكره في موضعه ، والمولى يساوي الإمام في هذا ; لأنه من باب التأديب فله قدرة التأديب ، والعبد ينقاد لمثله للمولى ولا يعارضه ، فالمولى أيضا لا يمتنع عن هذا القدر من الإيلام ; لأنه لا يوجب نقصانا في مالية العبد ولا تعييبا فيه ، بخلاف الحد .

والثاني - أن في التعزير ضرورة ليست في الحد ; لأن أسباب التعزير مما يكثر وجودها ، فيحتاج المولى إلى أن يعزر مملوكه في كل يوم وفي كل ساعة ، وفي الرفع إلى الإمام في كل حين وزمان حرج عظيم على الموالي ; ففوضت إقامة الحد إلى الموالي شرعا ، أو صار المولى مأذونا في ذلك من جهة الإمام دلالة ، وصار نائبا عن الإمام فيه ، ولا حرج في الحد ; لأنه لا يكثر وجوده ; لانعدام كثرة أسباب وجوبه وأما الحديثان فيحتمل أن يكون خطابا لقوم معلومين ، علم عليه الصلاة والسلام منهم من طريق الوحي أنهم يقيمون الحدود من غير تقصير مثل الأمير والسلطان ، ويحتمل أن يكون ذلك خطابا للأئمة في حق عبيدهم ، والتخصيص للترغيب في إقامة الحد ; لما أن الأئمة والسلاطين لا يباشرون الإقامة بأنفسهم عادة بل يفوضونها إلى الحكام والمحتسبين ، وقد يجيء منهم في ذلك تقصير ، ويحتمل الإقامة بطريق التسبب بالسعي لرفع ذلك إلى الإمام بطريق الحسبة ، وتخصيص المولى للترغيب لهم في الإقامة ; لاحتمال الميل والتقصير في ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد من الحد المذكور في الحديث التعزير ; لوجود معنى الحد فيه - وهو المنع - فلا يصح الاحتجاج بهما مع الاحتمال ، والله - تعالى - أعلم .

وللإمام أن يستخلف على إقامة الحدود ; لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه ; لأن أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام ، ولا يمكنه الذهاب إليها ، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرج عظيم ، فلو لم يجز الاستخلاف - لتعطلت الحدود وهذا لا يجوز ; ولهذا { كان عليه الصلاة والسلام يجعل إلى الخلفاء تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود } ، ثم الاستخلاف نوعان : تنصيص ، وتولية ، أما التنصيص : فهو أن ينص على إقامة الحدود ; فيجوز للخليفة إقامتها بلا شك .

وأما التولية فعلى ضربين : عامة ، وخاصة فالعامة : هي أن يولي رجلا ولاية عامة ، مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها ; لأنه لما قلده إمارة ذلك البلد فقد فوض إليه القيام بمصالح المسلمين - وإقامة الحدود معظم مصالحهم - فيملكها ، والخاصة : هي أن يولي رجلا ولاية خاصة ، مثل جباية الخراج ونحو ذلك فلا يملك إقامة الحدود ; لأن هذه التولية لم تتناول إقامة الحدود ، ولو استعمل أمير على الجيش الكبير فإن كان أمير مصر أو مدينة فغزا بجنده - فإنه يملك إقامة الحدود في معسكره ; لأنه كان يملك الإقامة في بلده ، فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك فيهم قبل الخروج .

وأما من أخرجه أمير البلد غازيا فما كان يملك إقامة الحد عليهم قبل الخروج وبعد الخروج ، لم يفوض إليه الإقامة فلا يملك الإقامة ، والإمام العدل له أن يقيم الحدود وينفذ القضاء في معسكره ، كما له أن يفعل ذلك في المصر ; لأن للإمام ولاية على جميع دار الإسلام ثابتة ، وكذا إذا استعمل قاضيا له أن يفعل ذلك في المعسكر ; لأنه نائب الإمام ، والله - تعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث