الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 154 ] الباب التاسع

في زكاة الفطر

وفي ( الجواهر ) : هي واجبة عند مالك والأئمة ، وحكى أبو الطاهر قولا بأنها سنة ، لما في ( الموطأ ) : ( أنه فرض زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين ) وقوله : على كل حر أو عبد كما تقول رضي الله عني ورضي علي ، ولولا ذلك لم يكن لقوله : على الناس فائدة ، حجة السنة : أن ( فرض ) معناه قدر ، والسنة مقدرة . ويروى أن سعد بن عبادة قال : أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل نزول الزكاة ، فلما نزلت لم يأمرنا ولم ينهنا ، ونحن نفعلها ، والجواب عن الأول : أن ظاهر الفرض الوجوب ، فالعدول عنه لغير دليل تحكم ، وعن الثاني : نقول بموجبه ، فإن ظاهر الأمر السابق الوجوب ، والسكوت بعد ذلك لا يكون نسخا ، بل اكتفي بما تقدم .

ويتمهد الفقه : ببيان سبب وجوبها ، والواجب عليه ، والواجب عنه ، والواجب ، فهذه أربعة فصول .

الفصل الأول ، في سبب الوجوب ، وقد اعتبر الشرع فيه أمرا وهو الوقت ، [ ص: 155 ] وفي تعينه أقوال ، وأمورا خاصة ، وهي القرابة والملك والنكاح ، ولما كانت الثلاثة أسبابا للنفقات ، كانت أسبابا للزكوات عن المنفق عليه بجامع تحمل الحق المالي ، ودل على ذلك قوله عليه السلام : ( أدوا الزكاة عمن تمونون ) ، واعتبر أيضا غير هذا ، وهو تطهير الصائم من رفث صومه ، وقد روي ذلك في الحديث ، ولهذا المعنى وجبت على الإنسان عن نفسه ليطهرها من رفثه ، ولم تجب عن عبيده الكفار ; لأنهم ليسوا أهلا للتطهير .

تنبيهان : الأول ، قد تجب النفقة ولا تجب الزكاة ، كالمستأجر بنفقته ، وتجب الزكاة دون النفقة بل بمجرد الملك ، كالعبد الهارب والمكاتب ، الثاني ، أن الوقت هنا ليس شرطا كما قلنا في الحول مع النصاب فإن الشرط ما ظهرت مناسبته في غيره كالحول مكمل لتنمية النصاب ، والوقت هاهنا ليس مكملا لحكمة القرابة أو الملك أو التطهير ، فليس شرطا ، وقد دل الدليل على اعتباره فتعين ضمه إلى أحد الأسباب الأخر ، فيكون المجموع هو السبب التام ، وكل واحد جزء سبب ، كالقتل العمد والعدوان ، وفي ( الجواهر ) : قال مالك وابن القاسم و ( ح ) : تجب بطلوع الفجر يوم الفطر ، وروي عن مالك : تجب بغروب الشمس ليلة العيد . وقاله ( ش ) ، وبطلوع الشمس يوم الفطر قياسا على الصلاة . وبغروب الشمس ليلة الفطر وجوبا موسعا إلى غروب الشمس من يوم الفطر ، قال القاضي أبو بكر : والأول الصحيح ، وفي ( الجلاب ) : من اشترى عبدا ليلة الفطر ، فهل زكاته على البائع أو على المبتاع ؟ روايتان .

[ ص: 156 ] تنبيه : القائل : تجب بغروب الشمس قال : تجب وجوبا موسعا إلى غروب الشمس من يوم العيد ، فيكون هو هذا القول ولا فرق بينهما ، واعلم أن الأقوال الأربعة متفقة على أن الوقت وقت أداء إلى غروب الشمس ، وإنما القضاء بعده ، والفرق بين القولين : أن القائل بغروب الشمس يحصر السبب في غروب الشمس ، وبقية اليوم عنده صرف للإيقاع ، فجملة اليوم عنده واجب فيه لا بسببه .

والقائل الرابع يقول : كل فرد من أفراد زمنه اليوم سبب للوجوب وظرف للإيقاع ، فكل فرد من أفراد زمنه اليوم يقتضي الوجوب وجوبا موسعا إلى غروب الشمس ، فلا جرم كل من يجد في أي وقت كان من أجزاء اليوم وجب عليه الإخراج باعتبار ما يتجدد بعده من الأزمان ، فإذا أسلم كافر عند الزوال يجب عليه الإخراج لأجل ما يقارنه من الأزمنة الكائنة بعد الزمان بعد الزوال ; لأن كل جزء من اليوم يسبب الوجوب ، لظاهر قوله عليه السلام : ( أغنوهم عن سؤال هذا اليوم ) فالخلاف بين القائلين : هل جميع أجزاء اليوم ظرف للإيقاع فقط والسبب الغروب فقط . أو ظرف وأسباب ؟ ويكون المعتبر في السببية القدر المشترك بينهما ، فينقسم على رأي هذا القائل المشترك بين الأغنياء إلى واجب فيه كالعام لقضاء الصوم ، وإلى واجب بسببه كأجزاء اليوم ، وإلى واجب عليه كالمشترك بين الفرق ، وفي فروض الكفاية ، وإلى الواجب نفسه كالمشترك بين خصال الكفارة ، أربعة أقسام ، واقعة في الشرع إجماعا ، وإنما الخلاف في بعض الصور هل هي فيها أم لا ؟ .

وسبب الخلاف : أن الفطر الذي أضيفت إليه في الحديث ، هل يحمل على الفطر الشرعي الذي لم يوجد في رمضان ، وذلك إنما يتحقق بطلوع الفجر - وهو المشهور - أو على مطلق الفطر الشرعي الكائن بعد رمضان ، وهو غروب الشمس [ ص: 157 ] ليلة الفطر ، أو يلاحظ إيماؤه عليه السلام في قوله : ( أغنوهم عن سؤال هذا اليوم ) . والليلة مندرجة في اليوم ، فتجب وجوبا موسعا من أوله إلى آخره ; لأنه لم يخصص منه شيئا ، أو يلاحظ قاعدة أخرى وهي : أن الحكم إذا علق على اسم هل يقتصر على أوله أو يستوعب ؟ فيه خلاف في الأصول ، فإذا قلنا بالاستيعاب ، فهو الموسع أو بالاقتصار ، فيلاحظ قاعدة أخرى ، وهي : أن الليلة هل هي لليوم الآتي أو الماضي ؟ فيه خلاف ، وإذا فرعنا على الآخر : فمن الفجر إلى الشمس هل هو من الليل أو من النهار ، أو قائم بنفسه ؟ ثلاثة أقوال ، وفي ( المقدمات ) : قال عبد الملك : آخر وقتها زوال الشمس من يوم الفطر قياسا على الصلاة . ويتخرج على الخلاف : وجوبها وسقوطها عن المولود ، والمشترى ، والميت ، والمعتق ، والمطلقة . ومن أسلم ، وفي ( الكتاب ) : من أسلم يوم الفطر بعد الفجر استحب له زكاة الفطر والأضحية ; لأنهم مخاطبون بالفروع ، ولا تؤدى عن الجنين إلا أن يولد ليلة الفطر ، وإن كانت النفقة واجبة للحامل ; ( لأن النفقة وجبت للحامل ) بسبب الحمل لا للحمل .

فروع ثلاثة : الأول في ( الكتاب ) : ويستحب أن تؤدى بعد الفجر يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى ، وقاله الأئمة ، وفي أبي داود : قال عليه السلام لما ذكرها : ( من أداها قبل الصلاة فهي مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ) ولأن المستحب الأكل قبل الغدو ، فتقدم للفقير ليأكل منها ، ويستغني عن السؤال من أول اليوم ، ولأنه مبادرة إلى الخيرات ، وإن أداها قبل الفطر بيوم أو يومين جاز ، ويؤديها المسافر حيث هو ، وإن أداها أهله عنه أجزأه ، قال سند : من قال : إن وقتها طلوع الشمس لا يستحبها قبل ذلك لعدم الوجوب ، قال ابن [ ص: 158 ] القاسم : إن عزلها فتلفت لم يضمنها ، وإن دفعها قبل يوم الفطر لمن يفرقها جاز اتفاقا ، فإن دفعها للفقير لم تجزه عند عبد الملك ، قال : وزعم الباجي أن هذا هو مشهور المذهب ; لأن القول الآخر ينزع إلى إخراج الزكاة قبل وقتها ، وتأول عبد الوهاب ظاهر ( الكتاب ) : على الإخراج لمن يفرقها ; لأنها كانت عادتهم بالمدينة والأكثرون على خلافه ، ثم ينتقض قوله بتجويزه الدفع إلى الإمام باليومين ، ويده يد الفقراء ، والفرق بين اليومين وأول الشهر : أن العباد أضياف الله تعالى يوم الفطر ، لذلك حرم عليهم صومه ، ففي اليومين يتمكن الفقير من تهيئتها ليوم العيد ويتسع فيه ، وقبل ذلك تذهب منه ، ومقتضى هذا : أن يكون التقديم أفضل ، لكن روعي سبب الوجوب فاقتصر على ذلك .

وقال ( ح ) : يجوز إخراجها قبل رمضان لأول يوم من السنة ، وقال ( ش ) : تجوز في رمضان لا قبله ، فجعل ( ح ) وجود المزكي كوجود النصاب في الأموال ، فإنه إنما يخرجه عن نفسه ، ورأى أنها متعلقة بسببين : الصوم والفطر منه ، فيجوز بعد أحدهما ، كالكفارة بعد الحلف وقبل الحنث ، وتعلقها عندنا بالفجر فلا تجزئ قبله إلا بالسير ، لحصول المقصود في الوقت كما تقدم ، ولو أخرجها بيومين فهلكت ، قال ابن المواز : لم يضمنها لتعيينها بفعله كزكاة المال ، قال سند : لا يفيد الضمان كالإخراج قبل الحول فتضيع قبله .

الثاني ، قال سند : ولا يأثم بالتأخير ما دام يوم الفطر قائما ، فإن أخرها عنه أثم مع القدرة ، وقاله ( ش ) وابن حنبل ، وإخراج المسافر عن عبيده وأهله الغائبين عنه يتخرج عن تزكيته لماله الغائب مع ما في يده ، فإذا أخرج أهله وكان ذلك عادتهم ، أو أمرهم أجزأه ، وإلا تخرج على الخلاف فيمن أعتق عن غيره بغير إذنه وعلمه ، والإجزاء أحسن ; لأنه حق مالي كالدين .

الثالث ، في ( الكتاب ) : من مات يوم الفطر أو ليلته ممن تلزمك نفقته لم [ ص: 159 ] يسقطها موته ، ومن مات حينئذ فأوصى بها كانت في رأس ماله ، ولو لم يوص بها لم يجبر الورثة عليها ، ويندبون كزكاة العين تحل في مرضه ، وإنما يكون في الثلث ما فرط فيه في صحته إذا أوصى به ، وقوله : لم يسقطها موته ، مع موته ليلة الفطر : يدل على أن وقت الوجوب غروب الشمس وقد صرح في غير هذا الموضع بأنه طلوع الفجر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث