الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في القرينة الداخلة على قدر المقر به في ركن الإقرار

جزء التالي صفحة
السابق

فإن كان من خلاف جنسه ينظر إن كان المستثنى مما لا يثبت دينا في الذمة مطلقا كالثوب ، لا يصح الاستثناء ، وعليه جميع ما أقر به عندنا بأن قال : له علي عشرة دراهم إلا ثوبا ، وعند الشافعي رحمه الله يصح ويلزمه قدر قيمة الثوب وإن كان المستثنى مما يثبت دينا في الذمة مطلقا من المكيل والموزون والعددي المتقارب بأن قال : لفلان علي عشرة إلا درهما أو إلا قفيز حنطة أو مائة دينار إلا عشرة دراهم أو دينار إلا مائة جوزة ، يصح الاستثناء عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - ويطرح مما أقر به قدر قيمة المستثنى وعند محمد وزفر - رحمهما الله - لا يصح الاستثناء أصلا ( أما ) الكلام مع الشافعي - رحمه الله - في المسألة الأولى فوجه قول الشافعي - رحمه الله - أن لنص الاستثناء حكما على حدة كما لنص المستثنى منه من النفي والإثبات ; لأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي لغة ، فقوله : لفلان علي عشرة دراهم إلا درهما معناه إلا درهما فإنه ليس علي ، فيصير دليل النفي معارضا لدليل الإثبات في قدر المستثنى ، ولهذا قال : إن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة فصار قوله : لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا أي إلا ثوبا فإنه ليس علي من الألف ، ومعلوم أن عين [ ص: 211 ] الثوب من الألف ليس عليه فكان المراد قدر قيمته أي مقدار قيمة الثوب ليس علي من الألف .

وجه قول أصحابنا رضي الله عنهم أنه لا حكم لنص الاستثناء إلا بيان أن القدر المستثنى لم يدخل تحت المستثنى منه أصلا ; لأن أهل اللغة قالوا : إن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا ، وإنما يكون تكلما بالباقي إذا كان ثابتا فكان انعدام حكم نص المستثنى منه في المستثنى لانعدام تناول اللفظ إياه لا للمعارضة مع ما أن القول بالمعارضة فاسد ; لوجوه : أحدها أن الاستثناء مقارن للمستثنى منه فكانت المعارضة مناقضة .

والثاني أن المعارضة إنما تكون بدليل قائم بنفسه ، ونص الاستثناء ليس بنص قائم بنفسه فلا يصلح معارضا إلا أن يزاد عليه قوله إلا كذا فإنه كذا ، وهذا تغيير ومهما أمكن العمل بظاهر اللفظ من غير تغيير كان أولى والثالث أن القول بالمعارضة يكون رجوعا عن الإقرار ، والرجوع عن الإقرار في حقوق العباد لا يصح كما إذا قال له علي عشرة دراهم وليس له علي عشرة دراهم ، وإذا كان بيانا فمعنى البيان لا يتحقق إلا إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه إما في الاسم أو في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق ، ولم يوجد ههنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى وقولهم : الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات - محمول على الظاهر إذ هو في الظاهر كذلك دون الحقيقة لأنه تحقق معنى المعارضة وهو محال على ما ذكرنا وجه إحالته فيكون بيانا حقيقة نفيا أو إثباتا جمعا بين النقلين بقدر الإمكان ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب .

( وأما ) الكلام في المسألة الثانية فوجه قول محمد وزفر - رحمهما الله - أن الاستثناء استخراج بعض ما لولاه لدخل تحت نص المستثنى منه ، وذا لا يتحقق إلا في الجنس ولهذا لو كان المستثنى ثوبا لم يصح الاستثناء وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن الداخل تحت قوله : لفلان علي عشرة دراهم ، عشرة موصوفة بأنها واجبة مطلقا مسماة بالدراهم فإن لم يمكن تحقيق معنى المجانسة في اسم الدراهم أمكن تحقيقها في الوجوب في الذمة على الإطلاق ; لأن الحنطة في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق من جنس الدراهم ألا ترى أنها تجب دينا موصوفا في الذمة حالا بالاستقراض والاستهلاك كما تجب سلما وثمنا حالا كالدراهم .

( فأما ) الثوب فلا يحتمل الوجوب في الذمة على الإطلاق بل سلما أو ثمنا مؤجلا ( فأما ) ما لا يحتمله استقراضا واستهلاكا وثمنا حالا غير مؤجل فأمكن تحقيق معنى المجانسة بينهما في وصف الوجوب في الذمة على الإطلاق إن لم يكن في اسم الدراهم فأمكن العمل بالاستثناء في تحقق معناه وهو البيان من وجه ، ولا مجانسة بين الثياب والدراهم لا في الاسم ولا في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق فانعدم معنى الاستثناء أصلا فهو الفرق ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث