الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في القرينة الداخلة على وصف المقر به في ركن الإقرار

جزء التالي صفحة
السابق

ولو قال : أسكنت فلانا بيتي ثم أخرجته وادعى الساكن أنه له فالقول قول المقر عند أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد القول قول الساكن مع يمينه ولو قال : أعرته دابتي ثم أخذتها منه ، وقال صاحبه : هي لي فهو على هذا الاختلاف .

( وجه ) قولهما أن قوله أسكنته داري ثم أخرجته وأعرته دابتي ثم أخذتها منه إقرار منه باليد لهما ثم الأخذ منهما فيؤمر بالرد عليهما لقوله عليه الصلاة والسلام { على اليد ما أخذت حتى ترد } ولهذا لو غايباه سكن الدار فزعم المقر أنه أعارهما ( 1 ) منه لم يقبل قوله فكذا إذا أقر وجه قول أبي حنيفة أن المقر به ليس هو اليد المطلقة بل اليد بجهة الإعارة والسكنى ، وهذا لأن اليد لهما ما عرفت إلا بإقراره فبقيت على الوجه الذي أقر به فيرجع في بيان كيفية اليد إليه ولو أقر فقال : إن فلانا الخياط خاط قميصي بدرهم وقبضت منه القميص وادعى الخياط أنه له فهو على هذا الاختلاف الذي ذكرنا ولو قال : خاط لي هذا القميص ولم يقل قبضه منه لم يؤمر بالرد عليه بالإجماع لأنه إذا لم يقبل قبضه منه لم يوجد منه الإقرار باليد للخياط لجواز أنه خاطه في بيته فلم تثبت يده عليه فلا يجبر على الرد هذا إذا لم يكن الدار والثوب معروفا له فإن كان معروفا للمقر فالقول قوله بالإجماع لأنه إذا لم يكن معروفا له كان قول صاحبه هو لي منه دعوى التملك فلا يسمع منه إلا ببينة ولو أقر أن فلانا ساكن في هذا البيت والبيت لي وادعى ذلك الرجل البيت فهو له وعلى المقر البينة ; لأن الإقرار بالسكنى إقرار باليد فصار هو صاحب يد فلا يثبت الملك للمدعي إلا ببينة .

ولو أقر أن فلانا زرع هذه الأرض أو بنى هذه الدار أو غرس هذا الكرم وذلك في يدي المقر وادعى المقر له أنه له فالقول قول المقر لأن الإقرار بالزرع والغرس والبناء لا يكون إقرارا باليد لجواز وجودها في يد الغير فلا يؤمر بالرد إليه ، والله تعالى أعلم وعلى هذا أن من أعتق عبده ثم أقر المولى أنه أخذ منه هذا الشيء في حال الرق وهو قائم بعينه وقال العبد : لا بل أخذته بعد العتق فالقول قول العبد ويؤمر بالرد إليه بالإجماع ; لأن قول العبد يقتضي وجوب الرد وقول المولى لا ينفي الوجوب بل يقتضيه لأن الأخذ في الأصل سبب لوجوب ضمان الرد ، والإضافة إلى حال الرق لا تنفي الوجوب فإن المولى إذا أخذ كسب عبده المأذون المديون يلزمه الرد إليه ولو أقر بالإتلاف بأن قال : أتلفت عليك مالا وأنت عبدي ، وقال العبد : لا بل أتلفته وأنا حر فالقول قول العبد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد القول قول المولى وعلى هذا الاختلاف إذا قال المولى : قطعت يدك قبل العتق ، وقال العبد : لا بل قطعتها بعد العتق ولو تنازعا في الضريبة فقال المولى : أخذت منك ضريبة كل شهر كذا ، وهي ضريبة مثله ، وقال العبد : لا بل كان بعد العتق فالقول قول المولى بالاتفاق .

وكذلك لو ادعى المولى وطء الأمة قبل العتق وادعت الأمة بعد العتق فالقول قول المولى بالإجماع ( وجه ) قول محمد وزفر - رحمهما الله - أن المولى ينكر وجوب الضمان فكان القول قوله ، وهذا لأنه أضاف الضمان إلى حال الرق حيث قال : أتلفت وهو رقيق والرق ينافي الضمان ، إذ المولى لا يجب عليه لعبده ضمان فكان منكرا وجوب الضمان ، والعبد بقوله أتلفت بعد العتق يدعي وجوب الضمان عليه وهو ينكر فكان القول قوله ، ولهذا كان القول قوله في الغلة والوطء ، كذا هذا ( وجه ) قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أن اعتبار قول العبد يوجب الضمان على المولى لأن إتلاف مال الحر يوجب الضمان واعتبار قول المولى لا ينفي الوجوب لأنه أقر بالأخذ والأخذ في الأصل سبب لوجوب الضمان ، والإضافة إلى حال الرق لا تنفي الوجوب فإن إتلاف كسب العبد المأذون المديون دينا مستغرقا للرقبة والكسب موجب للضمان فإذا وجد الموجب وانعدم المانع بقي خبره واجب القبول بخلاف الوطء والغلة ; لأن وطء الرقيقة لا يوجب الضمان أصلا ، وكذلك أخذ ضريبة العبد وهي الغلة لا يوجب الضمان على المولى فإن المولى إذا أخذ ضريبة العبد وعليه دين مستغرق ليس للغرماء حق الاسترداد على ما مر في كتاب المأذون فكان المولى بقوله كان [ ص: 219 ] قبل العتق منكرا وجوب الضمان ، فكان القول قوله مع ما أن الظاهر شاهد للمولى ; لأن الأصل في الوطء أن لا يكون سببا لوجوب الضمان لأنه إتلاف منافع البضع ، والأصل في المنافع أن لا تكون مضمونة بالإتلاف فترجح خبر المولى بشهادة الأصل له فكان أولى بالقبول كما في الإخبار عن طهارة الماء ونجاسته فأما الأصل في أخذ المال أن يكون سببا لوجوب الضمان فكان الظاهر شاهدا للعبد وكذلك الغلة لأنها بدل المنفعة ، والمنافع في الأصل غير مضمونة ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وعلى هذا إذا استأمن الحربي أو صار ذمة فقال له رجل مسلم : أخذت منك ألف درهم وأنت حربي في دار الحرب ، فقال له المقر : لا بل أخذته وأنا مستأمن أو ذمي في دار الإسلام ، والألف قائمة بعينهما ، فالقول قول المقر له ويؤمر بالرد إليه بالإجماع قال أخذت منك ألفا فاستهلكتها وأنت حربي في دار الحرب أو قال قطعت يدك وقال المقر له لا بل فعلت وأنا مستأمن أو ذمي في دار الإسلام فالقول قول المقر له ويضمن له المقر ما قطع وأتلف عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد وزفر - رحمهم الله - لا يضمن شيئا ( وجه ) قول محمد وزفر أن المولى منكر وجوب الضمان لإضافة الفعل إلى حالة منافية للوجوب وهي حالة الحراب والقول قول المنكر .

( وجه ) قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن الظاهر شاهد للعبد إذ العصمة أصل في النفوس ، والسقوط بعارض المسقط فالقول قول من يشهد له الأصل وعلى هذا إذا قال : لفلان علي ألف درهم ولم يذكر الوزن يلزمه الألف وزنا لا عددا لأن الدراهم في الأصل موزونة إلا إذا كان الإقرار في بلدة دراهمها عددية فينصرف إلى العدد المتعارف إذا ذكر العدد بأن قال : لفلان علي ألف درهم عددا يلزمه ألف درهم وزنا ويلغو ذكر العدد ويقع على ما يتعارفه أهل البلد من الوزن وهو في ديارنا وخراسان والعراق وزن سبعة ، وهو الذي يكون كل عشرة منها سبعة مثاقيل فإن كان الإقرار في هذه البلاد يلزمه بهذا الوزن ، وإن كان الإقرار في بلد يتعاملون فيه بدراهم وزنها ينقص عن وزن سبعة مثاقيل يقع إقراره على ذلك الوزن لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف حتى لو ادعى وزنا أقل من وزن بلده يصدق لأنه يكون رجوعا .

ولو كان في البلد أوزان مختلفة يعتبر فيه الغالب كما في نقد البلد فإن استوت يحمل على الأقل منها ; لأن الأقل متيقن به والزيادة مشكوك فيها والوجوب في الذمة أو لم يكن والوجوب في أقله لم يكن فمتى وقع الشك في ثبوته فلا يثبت مع الشك ولو سمى زيادة على وزن البلد أو أنقص منه بأن قال : لفلان علي ألف درهم وزن خمسة ، إن كان موصولا يقبل وإلا فلا ; لأن اسم الدراهم يحتمله لكنه خلاف الظاهر فاحتمل البيان الموصول ، ولا يصدق إذا فصل لانصراف الأفهام عند الإطلاق إلى وزن البلد فكان الإخبار عن غيره رجوعا فلا يصح وكذلك إذا قال : لفلان علي ألف درهم مثاقيل يلزمه ذلك لأنه زاد على الوزن المعروف وهو غير متهم في الإقرار على نفسه بالزيادة فيقبل منه ولو أقر وهو ببغداد فقال : لفلان علي ألف درهم طبرية يلزمه ألف درهم طبرية لكن بوزن سبعة لأن قوله طبرية خرج وصفا للدراهم أي دراهم منسوبة إلى طبرستان فلا يوجب تغيير وزن البلد وكذلك إذا قال : لفلان علي كر حنطة موصلية ، والمقر ببغداد يلزمه كر حنطة موصلية لكن بكيل بغداد لما قلنا .

ولو قال : لفلان علي دينار شامي أو كوفي فعليه أن يعطيه دينارا واحدا وزنه مثقال ، ولا يجوز أن يعطيه دينارين وزنهما جميعا مثقال ، بخلاف الدراهم أنه إذا أعطاه درهمين صغيرين مكان درهم واحد كبير أنه يجبر على القبول كذا ذكر في الكتاب وكان في عرفهم أن الدينار إذا كان ناقص الوزن يكون ناقص القيمة فكان نقصان الوزن فيه وضيعة ، كذلك اعتبر الوزن والعدد جميعا وفي الدراهم بخلاف فأما في عرف ديارنا فالعبرة للوزن ، فسواء أعطاه دينارا واحدا أو دينارين يجبر على القبول بعد أن يكون وزنهما مثقالا ، وكذلك لو قال : لفلان علي قفيز حنطة فهو بقفيز البلد ، وكذلك الأوقار والأمنان لما قلنا في الدراهم ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث