الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أنواع المقر به ومنها حق العبد

جزء التالي صفحة
السابق

لكن الشرائط المختصة بالإقرار بحقوق العباد نوعان : نوع يرجع إلى المقر له ، ونوع يرجع إلى المقر به ( أما ) الذي يرجع إلى المقر له فنوع واحد وهو أن يكون معلوما موجودا كان أو حملا حتى لو كان مجهولا بأن قال لواحد من الناس علي أو لزيد علي ألف درهم لا يصح لأنه لا يملك أحد مطالبته فلا يفيد الإقرار حتى لو عين واحدا بأن قال : عنيت به فلانا يصح ، ولو قال لحمل فلانة علي ألف درهم فإن بين جهة يصح وجوب الحق للحمل من تلك الجهة بأن قال المقر : أوصى بها فلان له أو مات أبوه فورثه صح الإقرار ; لأن الحق يجب له من هذه الجهة فكان صادقا في إقراره فيصح .

وإن أجمل الإقرار لا يصح عند أبي يوسف وعند محمد يصح ( وجه ) قول محمد أن إقرار العاقل يجب حمله على الصحة ما أمكن وأمكن حمله على إقراره على جهة مصححة له وهي ما ذكرنا فوجب [ ص: 224 ] حمله عليه ( وجه ) قول أبي يوسف أن الإقرار المبهم له جهة الصحة والفساد لأنه إن كان يصح بالحمل على الوصية ، والإرث يفسد بالحمل على البيع والغصب والقرض فلا يصح مع الشك مع ما أن الحمل في نفسه محتمل الوجود والعدم ، والشك من وجه واحد يمنع صحة الإقرار فمن وجهين أولى ، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا أقر للحمل ( أما ) إذا أقر بالحمل بأن أقر بحمل جارية أو بحمل شاة لرجل صح أيضا ; لأن حمل الجارية والشاة مما يحتمل الوجوب في الذمة بأن أوصى له به مالك الجارية والشاة فأقر به والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

( وأما ) الذي يرجع إلى المقر به أما الإقرار بالعين والدين فشرط صحة الفراغ عن تعلق حق الغير فإن كان مشغولا بحق الغير لم يصح ; لأن حق الغير معصوم محترم فلا يجوز إبطاله من غير رضاه فلا بد من معرفة وقت التعلق ومعرفة محل التعلق ( أما ) وقت التعلق فهو وقت مرض الموت ، فما دام المديون صحيحا فالدين في ذمته فإذا مرض مرض الموت يتعلق بتركته أي يتعين فيها ويتحول من الذمة إليها إلا أنه لا يعرف كون المرض مرض الموت إلا بالموت فإذا اتصل به الموت تبين أن المرض كان مرض الموت من وقت وجوده فتبين أن التعلق يثبت من ذلك الوقت وبيان ذلك الوقت ببيان حكم إقرار المريض والصحيح وما يفترقان فيه وما يتصل به وما يستويان فيه فنقول - وبالله التوفيق - إقرار المريض في الأصل نوعان : إقراره بالدين لغيره وإقراره باستيفاء الدين من غيره ( فأما ) إقراره بالدين لغيره فلا يخلو من أحد وجهين ( أما ) إن أقر به لأجنبي أو لوارث : فإن أقر به لوارث فلا يصح إلا بإجازة الباقين عندنا ، وعند الشافعي يصح ( وجه ) قول الشافعي - رحمه الله - أن جهة الصحة للإقرار هي رجحان جانب الصدق على جانب الكذب ، وهذا في الوارث مثل ما في الأجنبي ثم يقبل إقرار الأجنبي كذا الوارث .

( ولنا ) ما روي عن سيدنا عمر وابنه سيدنا عبد الله رضي الله عنهما أنهما قالا : إذا أقر المريض لوارثه لم يجز وإذا أقر لأجنبي جاز

ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فيكون إجماعا ولأنه متهم في هذا الإقرار لجواز أنه آثر بعض الورثة على بعض بميل الطبع أو بقضاء حق موجب للبعث على الإحسان وهو لا يملك ذلك بطريق التبرع والوصية به فأراد تنفيذ غرضه بصورة الإقرار من غير أن يكون للوارث عليه دين فكان متهما في إقراره فيرد ، ولأنه لما مرض مرض الموت فقد تعلق حق الورثة بماله ولهذا لا يملك أن يتبرع عليه بشيء من الثلث مع ما أنه خالص ملكه لا حق لأجنبي فيه فكان إقراره للبعض إبطالا لحق الباقين فلا يصح في حقهم ولأن الوصية لم تجز لوارث فالإقرار أولى لأنه لو جاز الإقرار لارتفع بطلان الوصية لأنه يميل إلى الإقرار اختيارا للإيثار بل هو أولى من الوصية لأنه لا يذهب بالوصية إلا الثلث ، وبالإقرار يذهب جميع المال فكان إبطال الإقرار إبطال الوصية بالطريق الأولى ، ويصح إقرار الصحيح لوارث ; لأن ما ذكرنا من الموانع منعدمة في إقراره هذا إذا أقر لوارث فإن أقر لأجنبي فإن لم يكن عليه دين ظاهر معلوم في حالة الصحة يصح إقراره من جميع التركة استحسانا والقياس أن لا يصح إلا في الثلث .

( وجه ) القياس أن حق الورثة بما زاد على الثلث متعلق ولهذا لم يملك التبرع بما زاد على الثلث لكنا تركنا القياس بالأثر ، وهو ما روي عن ابن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إذا أقر المريض بدين لأجنبي جاز ذلك من جميع تركته ولم يعرف له فيه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مخالف فيكون إجماعا ولأنه في الإقرار للأجنبي غير متهم فيصح ، ويصح إقرار الصحيح للأجنبي من جميع المال لانعدام تعلق حق الورثة بماله في حالة الصحة بل الدين في الذمة ، وإنما يتعلق بالتركة حالة المرض وكذا لو أقر الصحيح بديون لأناس كثيرة متفرقة بأن أقر بدين جاز عليه كله ; لأن حال الصحة حال الإطلاق لوجود الموجب للإطلاق وإنما الامتناع لعارض تعلق حق الورثة أو للتهمة ، وكل ذلك ههنا منعدم ويستوي فيه المتقدم والمتأخر لحصول الكل في حالة الإطلاق ولو أقر المريض بديون لأناس كثيرة متفرقة بأن أقر بدين ثم بدين جاز ذلك كله واستوى فيه المتقدم والمتأخر استواء الكل في التعلق لاستوائهما في زمان التعلق وهو زمان المرض إذ زمن المرض مع امتداده بتجدد أمثاله حقيقة بمنزلة زمان واحد في الحكم فلا يتصور فيه التقدم والتأخر ولو أقر وهو مريض بدين ثم بعين بأن أقر أن هذا الشيء الذي في يده وديعة لفلان فهما دينان ولا تقدم [ ص: 225 ] الوديعة لأن إقراره بالدين قد صح فأوجب تعلق حق الغرماء بالعين لكونها مملوكة له من حيث الظاهر ، والإقرار الوديعة لا يبطل التعلق ; لأن حق الغير يصان عن الإبطال ما أمكن وأمكن أن يجعل ذلك إقرارا بالدين لإقراره باستهلاك الوديعة بتقديم الإقرار بالدين عليه ، وإذا صار مقرا باستهلاك الوديعة فالإقرار باستهلاك الوديعة يكون إقرارا بالدين لذلك كانا دينين ولو أقر الوديعة أولا ثم أقر بالدين فالإقرار الوديعة أولى لأن الإقرار الوديعة لما صح خرجت الوديعة من أن تكون محلا للتعلق لخروجها عن ملكه فلا يثبت التعلق بالإقرار ; لأن حق غريم المريض يتعلق بالتركة لا بغيرها ولم يوجد وكذلك لو أقر المريض بمال في يده أنه بضاعة أو مضاربة فحكمه وحكم الوديعة سواء ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

هذا إذا أقر المريض بالدين وليس عليه دين ظاهر معلوم في حال الصحة يعتبر إقراره فأما إذا كان عليه دين ظاهر معلوم بغير إقراره ثم أقر بدين آخر نظر في ذلك : فإن لم يكن المقر به ظاهرا معلوما بغير إقراره تقدم الديون الظاهرة لغرماء الصحة في القضاء فتقضى ديونهم أولا من التركة فما فضل يصرف إلى غير غرماء الصحة ، وهذا عندنا ، وعند الشافعي - رحمه الله - يستويان ( وجه ) قوله أن غريم المرض مع غريم الصحة استويا في سبب الاستحقاق وهذا ; لأن الإقرار إنما كان سببا لظهور الحق لرجحان جانب الصدق على جانب الكذب ، وحالة المرض أدل على الصدق لأنها حالة يتدارك الإنسان فيها ما فرط في حالة الصحة فإن الصدق فيها أغلب فكان أولى بالقبول .

( ولنا ) أن شرط صحة الإقرار في حق غريم الصحة لم يوجد فلا يصح في حقه ، ودليل ذلك أن الشرط فراغ المال عن تعلق حق الغير به لما بينا ، ولم يوجد ; لأن حق غريم الصحة متعلق بماله من أول المرض بدليل أنه لو تبرع بشيء من ماله لا ينفذ تبرعه ولولا تعلق حق الغير به لنفذ لأنه حينئذ كان التبرع تصرفا من الأصل في محل هو خالص ملكه وحكم الشرع في مثله النفاذ فدل عدم النفاذ على تعلق النفاذ ، وإذا ثبت التعلق فقد انعدم الفراغ الذي هو شرط صحة الإقرار في حق غريم الصحة فلا يصح في حقه ولأنه إذا لم يعلم وجوبه بسبب ظاهر معلوم سوى إقراره كان متهما في هذا الإقرار في حق غرماء الصحة لجواز أن يكون له ضرب عناية في حق شخص يميل طبعه إلى الإحسان إليه أو بينهما حقوق تبعثه على المعروف والصلة في حقه ولا يملك ذلك بطريق التبرع فيريد به تحصيل مراده بصورة الإقرار فكان متهما في حق أصحاب الديون الظاهرة أنه أظهر الإقرار من غير أن يكون عليه دين فيرد إقراره بالتهمة وكذلك إذا كان عليه دين الصحة فأقر بعبده في يده أنه لفلان لا يصح إقراره في حق غرماء الصحة وكانوا أحق بالغرماء من الذي أقر له لأنه لما مرض مرض الموت فقد تعلق حق الغرماء بالعبد لما بينا وكان الإقرار بالعبد لفلان إبطالا لحقهم فلا يصح إقراره في حقهم هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن الدين المقر به ظاهرا معلوما بغير إقراره .

( فأما ) إذا كان بأن كان بدلا عن مال ملكه كبدل القرض وثمن المبيع أو بدلا عن مال استهلكه فهو بمنزلة دين الصحة ويقدمان جميعا على دين المرض لأنه إذا كان ظاهرا معلوما بسبب معلوم لم يحتمل الرد فيظهر وجوبه بإقراره وتعلقه بالتركة من أول المرض وكذا إذا كان ظاهرا معلوما بسبب معلوم لا يتهم في إقراره ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وكذلك إذا تزوج امرأة في مرضه بألف درهم ومهر مثلها ألف درهم جاز ذلك على غرماء الصحة والمرأة تخاصمهم بمهرها لأنه لما جاز النكاح - ولا يجوز إلا بوجوب المهر - كان وجوبه ظاهرا معلوما لظهور سبب وجوبه وهو النكاح فلم يكن وجوبه محتملا للرد فيتعلق بماله ضرورة يحققه أن النكاح إذا لم يجز بدون وجوب المهر ، والنكاح من الحوائج الأصلية للإنسان ، فكذلك وجوب المهر الذي هو من لوازمه شرعا والمريض غير محجور عن صرف ماله إلى حوائجه الأصلية كثمن الأغذية والأدوية وإن كان عليه دين الصحة ، وللصحيح أن يؤثر بعض الغرماء على بعض حتى أنه لو قضى دين أحدهم لا يشاركه فيه الباقون لما بينا أن الدين في حالة الصحة لم يتعلق بالمال بل هو في الذمة فلا يكون في إيثار البعض إبطال حق الباقين إلا أن يقر لرجلين بدين واحد فما قبض أحدهما منه شيئا كان لصاحبه أن يشاركه فيه لأنه قضى دينا مشتركا فكان المقبوض على الشركة وليس للمريض أن يؤثر بعض غرمائه على بعض ، سواء كانوا غرماء المرض أو غرماء الصحة حتى أنه لو قضى [ ص: 226 ] دين أحدهم شاركه الباقون في المقبوض ; لأن المرض أوجب تعلق الحق بالتركة ، وحقوقهم في التعلق على السواء فكان في إيثار البعض إبطال حق الباقين إلا أن يكون ذلك بدل قرض أو ثمن مبيع بأن استقرض في مرضه أو اشترى شيئا بمثل قيمته ، وكان ذلك ظاهرا معلوما فله أن يقضي القرض وينقد الثمن ولا يشاركه الغرماء في المقبوض والمنقود لأن الإيثار في هذه الصورة ليس إبطالا لحق الباقين ; لأن حقوقهم متعلقة بمعنى التركة لا بصورتها والتركة قائمة من حيث المعنى لقيام بدلها لأن بدل الشيء يقوم مقامة كأنه هو فلم يكن ذلك إبطالا معنى ولو تزوج امرأة أو استأجر أجيرا فنقدهما المهر والأجرة لا يسلم لهما المنقود بل الغرماء يتبعونهما ويخاصمونهما بديونهم وكانوا أسوة الغرماء ; لأن التسليم أعني جعل المنقود سالما لهما إبطال حق الغرماء صورة ومعنى ; لأن المهر بدل عن ملك النكاح وملك النكاح لا يحتمل تعلق حق الغرماء به وكذلك الأجرة بدل عن المنفعة المستوفاة وهي مما لا يحتمل تعلق الحق به لذلك لزم الاستواء في القسمة ، والله - تعالى - أعلم .

وعلى هذا الأصل يخرج تقديم الدين على الوصية والميراث ; لأن الميراث حق وضع في المال الفارغ عن حاجة الميت ، فإذا مات وعليه دين مستغرق للتركة والتركة مشغولة بحاجته فلم يوجد شرط جريان الإرث فيه قال الله تعالى - عز من قائل { من بعد وصية يوصى بها أو دين } وقد قدم الدين على الميراث ، وسواء كان دين الصحة أو دين المرض ; لأن الدليل لا يوجب الفصل بينهما وهو ما بينا ، وإذا اجتمعت الديون فالغرماء يقسمون التركة على قدر ديونهم بالحصص ولو توى شيء من التركة قبل القسمة اقتسموا الباقي بينهم بالحصص ويجعل التاوي كأنه لم يكن أصلا لأن حق كل واحد منهم تعلق بكل جزء من التركة فكان الباقي بينهم على قدر ديونهم ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث