الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وأما الإقرار بوارث فالكلام فيه في موضعين : أحدهما في حق ثبات النسب ، والثاني في حق الميراث أما الأول فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين : إما إن كان الوارث واحدا وإما إن كان أكثر من واحد بأن مات رجل وترك ابنا فأقر بأخ هل يثبت نسبه من الميت ؟ اختلف فيه .

قال أبو حنيفة ومحمد : لا يثبت النسب بإقرار وارث واحد ، وقال أبو يوسف : يثبت وبه أخذ [ ص: 230 ] الكرخي - رحمه الله وإن كان أكثر من واحد بأن كانا رجلين أو رجلا وامرأتين فصاعدا يثبت النسب بإقرارهم بالإجماع ( وجه ) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن إقرار الواحد مقبول في حق الميراث فيكون مقبولا في حق النسب كإقرار الجماعة .

( وجه ) قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما أن الإقرار بالأخوة إقرار على غيره لما فيه من حمل نسب غيره على غيره فكان شهادة وشهادة الفرد غير مقبولة بخلاف ما إذا كانا اثنين فصاعدا ; لأن شهادة رجلين أو رجل وامرأتين في النسب مقبولة وأما في حق الميراث فإقرار الوارث الواحد بوارث يصح ويصدق في حق الميراث بأن أقر الابن المعروف بأخ ، وحكمه أنه يشاركه فيما في يده من الميراث ; لأن الإقرار بالأخوة إقرار بشيئين : النسب واستحقاق المال والإقرار بالنسب إقرار على غيره وذلك غير مقبول لأنه دعوى في الحقيقة أو شهادة ، والإقرار باستحقاق المال إقرار على نفسه وأنه مقبول ، ومثل هذا جائز أن يكون الإقرار الواحد مقبولا بجهة غير مقبول بجهة أخرى كمن اشترى عبدا ثم أقر أن البائع كان أعتقه قبل البيع يقبل إقراره في حق العتق ولا يقبل في حق ولاية الرجوع بالثمن على البائع فعلى ذلك ههنا جاز أن يقبل الإقرار بوارث في حق الميراث ، ولا يقبل في حق ثبات النسب .

ولو أقر الابن المعروف بأخت أخذت ثلث ما في يده لأن إقراره قد صح في حق الميراث ولها مع الأخ ثلث الميراث ولو أقر بامرأة أنها زوجة أبيه فلها ثمن ما في يده ولو أقر بجدة هي أم الميت فلها سدس ما في يده ، والأصل أن المقر فيما في يده يعامل معاملة ما لو ثبت النسب ولو أقر ابن الميت بابن ابن للميت وصدقه لكن أنكر أن يكون المقر ابنه فالقول قول المقر والمال بينهما نصفان استحسانا ، والقياس أن يكون القول قول المقر له والمال كله له ما لم يقم البينة على النسب ( وجه ) القياس أنهما تصادقا على إثبات وراثة المقر له واختلفا في وراثة المقر فيثبت المتفق عليه ويقف المختلف فيه على قيام الدليل ( وجه ) الاستحسان أن المقر له إنما استفاد الميراث من جهة المقر فلو بطل إقراره لبطلت وراثته وفي بطلان وراثته بطلان وراثة المقر له وكذلك لو أقر بابنة للميت وصدقته لكنها أنكرت أن يكون المقر ابنه فالقول قول المقر استحسانا لما قلنا ولو أقرت امرأة بأخ للزوج الميت وصدقها الأخ ولكنه أنكر أن تكون هي امرأة الميت فالقول قول المقر له عند أبي حنيفة ومحمد وزفر - رحمهم الله تعالى ، وهو القياس ، وعلى المرأة إثبات الزوجية بالبينة وعند أبي يوسف - رحمه الله - القول قول المرأة والمال بينهما على قدر مواريثها ولو أقر زوج المرأة الميتة بأخ لها وصدقه الأخ لكنه أنكر أن يكون هو زوجها فهو على الاختلاف .

( وجه ) قول أبي يوسف قياس هذه المسألة على المسألة الأولى بالمعنى الجامع الذي ذكرناه في المسألة الأولى ولأبي حنيفة - رحمه الله - الفرق بين المسألتين ( ووجهه ) أن النكاح ينقطع بالموت والإقرار بسبب منقطع لا يسمع إلا ببينة بخلاف النسب ولو ترك ابنين فأقر أحدهما بأخ ثالث فإن صدقه الأخ المعروف في ذلك شاركهما في الميراث كما إذا أقرا جميعا لما بينا وإن كذبه فيه فإنه يقسم المال بين الأخوين المعروفين أولا نصفين فيدفع النصف إلى الأخ المنكر وأما النصف الآخر فيقسم بين الأخ المقر وبين المقر له نصفين عند عامة العلماء .

وعند ابن أبي ليلى أثلاثا ثلثاه للمقر وثلثه للمقر له ( وجه ) قول ابن أبي ليلى أن من زعم المقر أن المال بين الإخوة الثلاثة أثلاث وأن ثلث المقر له نصفه في يده ونصفه في يد أخيه المنكر على الشيوع إلا أن إقراره على أخيه لا ينفذ فيما في يد أخيه فينفذ فيما في يده فيعطيه ثلث ذلك .

( ولنا ) أن من زعم المقر أن حق المقر بنسبه في الميراث حقه وأن المنكر فيما يأخذ من الزيادة وهو النصف التام ظالم فيجعل ما في يده بمنزلة الهالك فيكون النصف الباقي بينهما بالسوية لكل واحد منهما ربع المال ولو أقر أحدهما بأخت فإن صدقه الآخر فالأمر ظاهر ، وإن كذبه فيقسم المال أولا نصفين بين الأخوين ، النصف للأخ المنكر ثم يقسم النصف الباقي بين الأخ المقر وأخته للذكر مثل حظ الأنثيين ولو أقر أحدهما لامرأة أنها زوجة أبينا فإن صدقه الآخر فالأمر واضح للمرأة الثمن والباقي بينهما لكل واحد منهما سبعة لا تستقيم عليها فتصحح المسألة فتضرب سهمين في ثمانية فتصير ستة عشر لها ثمنها والباقي بينهما لكل واحد منهما سبعة ، وإن كذبه فلها تسع ما في يده عند عامة العلماء رضي الله عنهم .

وعند ابن أبي ليلى - رحمه الله - لها ثمن ما في يده ( وجه ) قوله في أن زعم المقر أن [ ص: 231 ] للمرأة ثمن ما في يدي الأخوين إلا أن إقراره صح فيما في يد نفسه ولم يصح في حق صاحبه ، وإذا صح في حق نفسه يعطيها ثمن ما في يده ( وجه ) قول العامة أن في زعم المقر أن ثمن التركة لها وسبعة أثمانها لهما بينهما على السوية ، أصل المسألة وقسمتها ما ذكرنا إلا أن الأخ المنكر فيما يأخذ من الزيادة ظالم فيجعل ما في يده كالهالك ويقسم النصف الذي في يد المقر بينه وبينها على قدر حقهما ويجعل ما يحصل للمقر ، وذلك سبعة على تسعة أسهم سهمان من ذلك لها وسبعة أسهم له ، وإذا جعل هذا النصف على تسعة صار كل المال على ثمانية عشر : تسعة منها للأخ المنكر وسهمان للمرأة وسبعة أسهم للأخ المقر هذا إذا أقر الوارث بوارث واحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث