الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحدث في الصلاة

قال : ( وإذا انفرد المصلي خلف الإمام عن الصف لم تفسد صلاته ) وقال أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل رحمه الله تفسد صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة لمنفرد خلف الصف } وعن فرافصة أن النبي صلى الله عليه وسلم { رأى رجلا يصلي في حجرة من الأرض فقال : أعد صلاتك فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف } .

( ولنا ) حديث { أنس رضي الله تعالى عنه قال : فأقامني واليتيم من ورائي وأمي أم سليم وراءنا } ، فقد جوز اقتداءها وهي منفردة خلف الصف ، وفي هذا الحديث دليل على أنها تفسد صلاة الرجل ; لأنه أقامها خلفهما مع النهي عن الانفراد ، فما كان ذلك إلا صيانة لصلاتهما { ، وإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع فكبر وركع ثم دب حتى لصق بالصف ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال : زادك الله حرصا ولا تعد أو قال : لا تعد } ، فقد جوز اقتداءه به وهو خلف الصف . يدل عليه أنه لو كان بجنبه مراهق تجوز صلاته بالاتفاق ، وصلاة المراهق تخلق فهو في الحقيقة منفرد خلف الصف ، ولذلك لو تبين أن من كان بجنبه كان محدثا تجوز صلاته وهو منفرد خلف الصف ، وتأويل الحديث نفي الكمال لقوله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 193 ] { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } والأمر بالإعادة شاذ ، ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء ، وفي الحديث ما يدل عليه ، فإنه قال : في حجرة من الأرض أي ناحية ولكن الأولى عندنا أن يختلط بالصف إن وجد فرجة ، وإن لم يجد وقف ينتظر من يدخل فيصطفان معه ، فإن لم يدخل أحد وخاف فوت الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علما وحسن الخلق لكي لا يصعب عليه فيصطفان خلفه ، فإن لم ينجر إليه أحد حينئذ يقف خلف الصف بحذاء الإمام لأجل الضرورة ، فإن كان بين الإمام وبين المقتدي حائط أجزأته ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تجزئه ، وإليه أشار في الأصل في تعليل مسألة المحاذاة .

وفي الحاصل هذا على وجهين : إن كان الحائط قصيرا دليلا يعني به الصغير جدا حتى يتمكن كل أحد من الركوب عليه كحائط المقصورة لا يمنع الاقتداء ، وإن كان كبيرا ، فإن كان عليه باب مفتوح أو خوخة فكذلك ، وإن لم يكن عليه شيء من ذلك ففيه روايتان . وجه الرواية التي قال : لا يصح الاقتداء أنه يشتبه عليه حال إمامه ، ووجه الرواية الأخرى ما ظهر من عمل الناس كالصلاة بمكة ، فإن الإمام يقف في مقام إبراهيم ، وبعض الناس يقفون وراء الكعبة من الجانب الآخر ، فبينهم وبين الإمام حائط الكعبة ، ولم يمنعهم أحد من ذلك ، فإن كان بينهما طريق يمر الناس فيه أو نهر عظيم لم تجز صلاته لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق فلا صلاة له ، وفي رواية فليس معه ، والمراد طريق تمر فيه العجلة فما دون ذلك الطريق لا طريق ، والمراد من النهر ما تجري فيه السفن فما دون ذلك بمنزلة الجدار لا يمنع صحة الاقتداء ، فإن كانت الصفوف متصلة على الطريق جاز الاقتداء حينئذ ; لأن باتصال الصفوف خرج هذا الموضع من أن يكون ممرا للناس وصار مصلى في حكم هذه الصلاة ، وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل فبحكم اتصال الصفوف صار في حكم واحد ، فيصح الاقتداء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث