الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم

أما قوله تعالى : ( نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ) ففيه أبحاث :

البحث الأول : أن ( أن ) هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له : بورك .

البحث الثاني : اختلفوا فيمن في النار على وجوه :

أحدها : ( أن بورك ) بمعنى تبارك و ( النار ) بمعنى النور والمعنى : تبارك من في النور ، وذلك هو الله سبحانه ( ومن حولها ) يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلقة .

وثانيها : ( من في النار ) هو نور الله ، ( ومن حولها ) الملائكة ، وهو مروي عن قتادة والزجاج .

وثالثها : أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلا للكلام ، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال : ( بورك من في النار ومن حولها ) وهو قول الجبائي .

ورابعها : ( من في النار ) هو موسى عليه السلام لقربه منها ( ومن حولها ) يعني الملائكة ، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه .

وخامسها : قول صاحب " الكشاف " : ( بورك من في النار ) أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى : ( من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة ) [ القصص : 30 ] ويدل عليه قراءة أبي " تباركت الأرض ومن حولها " وعنه أيضا : " بوركت النار " .

البحث الثالث : السبب الذي لأجله بوركت البقعة ، وبورك من فيها وحواليها حدوث هذا الأمر [ ص: 157 ] العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله : ( ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) [ الأنبياء : 71 ] وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتا .

البحث الرابع : أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله : ( بورك من في النار ومن حولها ) يدل على أنه قد قضي أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها . وقوله : ( وسبحان الله رب العالمين ) فيه فائدتان :

إحداهما : أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام .

الثانية : أن يكون ذلك إيذانا بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع .

أما قوله : ( إنه أنا الله العزيز الحكيم ) فقال صاحب " الكشاف " الهاء في " إنه " يجوز أن يكون ضمير الشأن و ( أنا الله ) مبتدأ وخبر ، و ( العزيز الحكيم ) صفتان للخبر ، وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله يعني : أن مكلمك " أنا " والله بيان ل " أنا " ، و " العزيز الحكيم " صفتان للتعيين وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد : أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية ، الفاعل ما أفعله بحكمة وتدبير . فإن قيل : هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى ، فكيف علم موسى عليه السلام أنه من الله ؟ جوابه : لأهل السنة فيه طريقان :

الأول : أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة الله تعالى .

الثاني : قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة فنقول : إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور :

أحدها : أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة علم أنه من قبل الله تعالى لأن أحدا منا لا يقدر عليه وهو ضعيف لاحتمال أن يقال : الشيطان دخل في النار والشجرة ثم نادى .

وثانيها : يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغا لا يكون إلا معجزا ، وهو أيضا ضعيف لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم .

وثالثها : أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك ، فقيل : إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز ، وهذا هو الأصح والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث