الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الثاني الحسن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

33 - قوله: (ص): "وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن وذكر الخطابي النوع الآخر مقتصرا كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل... إلخ".

[ ص: 387 ] أقول: بين الترمذي والخطابي في ذلك فرق؛ وذلك أن الخطابي قصد تعريف الأنواع الثلاثة عند أهل الحديث، فذكر الصحيح ثم الحسن ثم الضعيف.

وأما الذي سكت عنه وهو: حديث المستور إذا أتى من غير وجه فإنما سكت عنه لأنه ليس عنده من قبيل الحسن.

فقد صرح بأن رواية المجهول من قسم الضعيف وأطلق ذلك ولم يفصل، والمستور قسم من المجهول.

وأما الترمذي فلم يقصد التعريف بالأنواع المذكورة عند أهل الحديث، بدليل أنه لم يعرف بالصحيح ولا بالضعيف بل ولا بالحسن المتفق على كونه حسنا بل المعرف به عنده وهو حديث المستور - على ما فهمه المصنف - لا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل الحسن وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورا على رواية المستور، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ وحديث المختلط بعد اختلاطه والمدلس إذا عنعن وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي:

1 - أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب.

2 - ولا يكون الإسناد شاذا.

3 - وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا وليس كلها في المرتبة على حد السواء بل بعضها أقوى من بعض.

[ ص: 388 ] ومما يقوي هذا ويعضده أنه لم يتعرض لمشروطية اتصال الإسناد أصلا، بل أطلق ذلك؛ فلهذا وصف كثيرا من الأحاديث المنقطعة بكونها حسانا.

[أمثلة لما يحسنه الترمذي :]

ولنذكر لكل نوع من ذلك مثلا من كلامه، يؤيد ما قلناه. فأما أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية المستور فكثير لا نحتاج إلى الإطالة بها، وإنما نذكر أمثلة لما زدناه على ما عند المصنف - رحمه الله - .

1 - فمن أمثلة ما وصف بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ ما رواه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم. قال: فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال الترمذي : هذا حديث حسن.

[ ص: 389 ] وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد رضي الله عنهم.

وذكر جماعة غيرهم. وعاصم بن عبيد الله ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه.

وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط. والله أعلم.

2 - ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ ما أخرجه من طريق عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي [ ص: 390 ] الوداك ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنه ليتيم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "أهريقوه" . قال: هذا حديث حسن.

قلت: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس وغيره رضي الله عنهم. وأشد من هذا ما رواه من طريق الأعمش عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن عبد الله بن المغفل رضي الله عنه في الأمر بقتل [ ص: 391 ] الكلاب وغير ذلك. قال: هذا حديث حسن.

قلت: وإسماعيل اتفقوا على تضعيفه ووصفه بالغلط وكثرة الخطأ لكنه عضده بأن قال: روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن مثله.

يعني لمتابعة إسماعيل بن مسلم عن الحسن .

ومثله ما رواه من طريق علي بن مسهر عن عبيد بن معتب عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نحيض عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نطهر فيأمرنا [ ص: 392 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة . قال: هذا حديث حسن.

قلت: وعبيدة ضعيف جدا قد اتفق أئمة النقل على تضعيفه إلا أنهم لم يتهموه بالكذب.

ولحديثه أصل من حديث معاذة ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - مخرج في الصحيح، فلهذا وصفه بالحسن.

ويؤيد هذا ما رويناه عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن أبي صالح كاتب الليث ، فقال: لم يكن ممن يتعمد الكذب، ولكنه كان يغلط وهو عندي حسن الحديث.

[ ص: 393 ] 3 - ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه، ما رواه من طريق يزيد بن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنه - فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم .

وقال: هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال: هذا حديث حسن.

قلت: والمسعودي اسمه: عبد الرحمن وهو ممن وصف بالاختلاط وكان سماع يزيد منه بعد أن اختلط.

[ ص: 394 ] وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه أخر بعضها عند المصنف أيضا - رحمة الله تعالى عليه - والله أعلم.

4 - ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية مدلس قد عنعن ما رواه من طريق يحيى بن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين" . قال: هذا حديث حسن.

وقد قال بعض أهل العلم: لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قلت: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس وقد روى هذا بصيغة العنعنة، [ ص: 395 ] وإنما وصفه بالحسن لأن له شواهد من حديث عبد الله بن مسعود وغيره - رضي الله عنهم - .

ومن ذلك ما رواه من طريق هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب" . قال: هذا حديث حسن.

قلت: وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي .

وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره - رضي الله تعالى عنهم - .

[ ص: 396 ] 5 - ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد - ما رواه من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر في العباس - رضي الله تعالى عنه - : "إن عم الرجل صنو أبيه" . وكان عمر - رضي الله عنه - تكلم في صدقته. وقال: "هذا حديث حسن".

قلت: أبو البختري : اسمه سعيد بن فيروز ولم يسمع من علي - رضي الله تعالى عنه.

فالإسناد منقطع ووصفه بالحسن لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره وأمثلة ذلك عنده كثيرة.

وقد صرح هو ببعضها.

[ ص: 397 ] فمن ذلك ما رواه من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن إسحاق بن عمر عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: "ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله عز وجل".

قال: هذا حديث حسن وليس إسناده بمتصل.

[ ص: 398 ] وإنما وصفه بالحسن لما عضده من الشواهد من حديث أبي برزة الأسلمي وغيره.

وقد حسن عدة أحاديث من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه وهو لم يسمع منه عند الجمهور.

وحديثا من رواية أبي قلابة الجرمي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقال بعده: لم يسمع أبو قلابة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها.

ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنه روى حديثا من رواية أبي عبيدة عن أبيه، ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلا أن هذا الحديث جيد.

[ ص: 399 ] وكذا قال - في حديث رواه من رواية عبد الجبار بن وائل بن حجر : عبد الجبار لم يسمع من أبيه لكن الحديث في نفسه جيد.

إلى غير ذلك من الأمثلة.

وذلك مصير منهم إلى أن الصورة الاجتماعية لها تأثير في التقوية.

وإذا تقرر ذلك كان من رأيه - أي: الترمذي - أن جميع ذلك إذا اعتضد لمجيئه من وجه آخر أو أكثر نزل منزلة الحسن احتمل ألا يوافقه غيره على هذا الرأي أو يبادر للإنكار عليه إذا وصف حديث الراوي الضعيف أو ما إسناده منقطع بكونه حسنا فاحتاج إلى التنبيه على اجتهاده في ذلك وأفصح عن مقصده فيه، ولهذا أطلق الحسن لما عرف به فلم يقيده بغرابة ولا غيرها ونسبه إلى نفسه ومن يرى رأيه فقال: عندنا كل حديث إلى آخر كلامه الذي ساقه شيخنا بلفظه.

[ ص: 400 ] [ ص: 401 ]

وإذا تقرر ذلك بقي وراءه أمر آخر.

وذلك أن المصنف وغير واحد نقلوا الاتفاق على أن الحديث الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح وإن كان دونه في المرتبة .

فما المراد على هذا بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على ذلك؟ هل هو القسم الذي حرره المصنف وقال: إن كلام الخطابي ينزل عليه. وهو رواية الصدوق المشهور بالأمانة... إلى آخر كلامه، أو القسم الذي ذكرناه آنفا عن الترمذي مع مجموع أنواعه التي ذكرنا أمثلتها، أو ما هو أعم من ذلك؟

لم أر من تعرض لتحرير هذا، والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول دون الثاني وعليه أيضا يتنزل قول المصنف: إن كثيرا من أهل [ ص: 402 ] الحديث لا يفرق بين الصحيح والحسن كالحاكم كما سيأتي وكذا قول المصنف: إن الحسن إذا جاء من طرق ارتقى إلى الصحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

فأما ما حررناه عن الترمذي أنه يطلق عليه اسم الحسن من الضعيف والمنقطع إذا اعتضد، فلا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه ولا دعوى الصحة فيه إذا أتى من طرق.

ويؤيد هذا قول الخطيب : أجمع أهل العلم أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به .

وقد صرح أبو الحسن ابن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في كتابه: "بيان الوهم والإيهام" بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه وعضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن.

وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفا يأباه. والله الموفق.

ويدل على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم [عنده] أن يحتج به؛ لأنه أخرج حديثا من طريق خثيمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين - رضي [ ص: 403 ]

الله تعالى عنه - وقال بعده: "هذا حديث حسن وليس إسناده بذاك".

وقال في كتاب العلم بعده: بعد أن أخرج حديثا في فضل العلم: "هذا حديث حسن" قال: وإنما لم نقل لهذا الحديث: صحيح؛ لأنه يقال: إن الأعمش دلس فيه فرواه بعضهم عنه، قال: "حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه" انتهى.

فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه، وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك، لكن في كل المثالين نظر، لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما كونهما جاءا من وجه آخر كما تقدم تقريره.

لكن محل بحثنا هنا: هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا؟

(هذا الذي يتوقف فيه والقلب إلى ما حرره ابن قطان أميل) - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث