الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في لفظ القنوت وهيئته ومحله

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ومن ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى . ( قال ) : حدثنا إبراهيم قال الربيع أخبرنا الشافعي قال : التشهد بهما مباح فمن أخذ بتشهد ابن مسعود لم يعنف إلا أن في تشهد ابن عباس زيادة "

قال الماوردي : وهذا صحيح

وأصل هذه المسألة : اختلاف الفقهاء في ترتيب الصلوات هل يلزمه في القضاء أم لا ؟ فمذهب الشافعي أن الترتيب منها مستحب وليس بواجب في قليل الصلاة وكثيرها مع العمد والنسيان ، وأنه إن أحرم بفرض وقته ثم ذكر فائتة مضى في صلاته وقضى ما فاته

وقال أبو حنيفة : إن ترك الترتيب ناسيا أجزأه ، وإن تركه عامدا في خمس صلوات فما دونها لم يجزه ، وإن تركه في [ أكثر من ] خمس صلوات أجزأ ، فكأنه يرى وجوب الترتيب في صلاة يوم وليلة مع الذكر ، وإن أحرم بفرض وقته ثم ذكر فائتة بطلت صلاته التي هو فيها ولزمه قضاء ما فاته ، ثم الإحرام بصلاة وقته إلا أن يكون وقتها مضيفا فيمضي في صلاته ، ثم يقضي ما فاته

وقال مالك : الترتيب واجب في صلاة يوم وليلة فما دون كقول أبي حنيفة ، لكنه إن ذكر صلاة وهو في أخرى لم تبطل صلاته وأتمها استحبابا ثم قضى ما فاته وأعاد تلك الصلاة واجبا

وقال أحمد بن حنبل : الترتيب واجب في قليل الصلوات وكثيرها مع العمد والسهو ، وإن ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها واجبا وقضى ما فاته وأعاد تلك الصلاة واجبا

فأما أبو حنيفة فاحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلهـا إذا ذكرها فذلك وقتها لا وقت لها غيره فجعل وقت الذكر وقتا للفوائت ، فاقتضى أن يلزمه ترتيب قضائها كما يلزمه ترتيب أداء الصلوات المؤقتات ، وما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس يوم الخندق حتى بعد المغرب بهوي من الليل حتى فاتته أربع صلوات : الظهر ، والعصر ، [ ص: 159 ] والمغرب والعشاء ، فأمر بلالا فأقام الظهر ، ثم أقام العصر ، ثم أقام للمغرب ، ثم أقام للعشاء فرتب قضاء ما فاته فاقتضى أن يكون ذلك لازما لأمرين :

أحدهما : أنه بيان ما ورد مجملا في الكتاب من قوله تعالى : وأقيموا الصلاة

والثاني : لقوله صلى الله عليه وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي "

واحتج أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن عليه صلاة " فاقتضى بطلان صلاته وقضاء ما فاته ، قال : ولأنهما صلاتا فرض يفعلان على وجه التكرار يجمع بينهما في وقت إحديهما ، فوجب أن يستحق الترتيب فيهما كالظهر ، والعصر بعرفة ، ولا يدخل على هذا التعليل إذا ضاق وقت [ التي فيها ] : لأنه غير جامع بينهما قال : ولأن الترتيب يلزم في الصلاة من وجهين :

أحدهما : في الفعل

والثاني : في الزمان . فلما لم يسقط ترتيب الأفعال في الفوات لم يجز تقديم ركن على ركن لم يسقط ترتيب الزمان فيهما ، ولم يجز تقديم عصر على ظهر

واحتج مالك بن أنس ، وأحمد بن حنبل برواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ذكر صلاة وهو في أخرى فليتم التي هو فيها وليصل التي ذكر ثم يعيد التي صلاها

والدليل على جميعهم قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل [ الإسراء : 78 ] . فكان الظاهر يقتضي جواز فعل ما يقضي ويؤدي من فائتة ، ومؤقتة بلا اشتراط ترتيب ولا استثناء

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فينفخ بين إليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فأمره صلى الله عليه وسلم بإتمامها أمرا عاما في كل حال إلا في الحالتين اللتين استثناهما

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح بالوادي ، حتى خرج وقتها فأمر بلالا بالأذان ، ثم صلى ركعتي الفجر ، ثم أمره بالإقامة ، ثم صلى الصبح ، فلما قدم صلاة التطوع على صلاة الفرض بعد خروج وقتها كان تقديم الفرض على الفرض أولى بالجواز

وروى مكحول عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى الفائتة

وهذا نص فيما اختلفنا فيه ، ولأنه ترتيب لا يستحق مع النسيان فوجب أن لا يستحق [ ص: 160 ] مع الذكر أصله ، إذا كان الوقت ضيقا ، فإن قيل : اعتباركم حكم العامد بالناسي مع فرق الأصول بينهما وتخفيف حكم النسيان غير صحيح ، لأن سهو الكلام لا يبطل الصلاة وعمده يبطلها ، وعمد الأكل يبطل الصوم ونسيانه لا يبطله ، قبل اعتبارهما في الموضع الذي وقع الفرق بينهما غير جائز ، فأما في الموضع الذي استوى حكم العمد والسهو معا فلا يمنع ، وقد استوى الحكم فيهما في معنى الأصل فكذلك في الفرع ، ولأنها صلوات تثبت في الذمة فوجب أن يسقط الترتيب فيها أصله إذا فاته ست صلوات فصاعدا ، ولأن كلما لم يرتب قضاؤه على قلته كصوم رمضان ، أوتقول كل صلاة صارت بخروج الوقت قضاء لم تترتب قياسا على ما زاد على اليوم والليل ، ولأن كل عبادتين تقدم وقت وجوبهما لم يتعين عليه تقديم إحداهما كالصلاة والصيام ، ولأنهما عبادتان إذا ضاق وقت أداء الثانية سقط الترتيب فيهما ، فوجب إذا ثبتا في الذمة أن يسقط الترتيب فيهما ، أصله إذا كان عليه صوم رمضانين ، ولأن الترتيب معتبر من وجهين من حيث الفعل ، ومن حيث الزمان بفوات وقت كقضاء رمضان وثبت ما اعتبر من حيث الفعل كصوم الظهار ، وإن كان الصلاة فلا يقدم سجود على ركوع ثم وجدنا ترتيب الصلوات من حيث الزمان فاقتضى أن يسقط بفوات وقتها

وأما احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها . . " - الحديث - فليس المقصود بعين وقت الفائتة بالذكر دون غيرها وإنما قصد به النهي عن تركها في وقت الذكر ، بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة بالوادي فلم يستيقظ حتى أصابه حر الشمس قال : " اخرجوا من هذا الوادي " . فلما خرج قضاها وكان قادرا على قضائها فيه عند استيقاظه فأخرها ، فهذا جواب

ثم الجواب الثاني : أنه لو ذكر في ثلاث صلوات فوائت كان ذلك وقتا لها ، وكل صلاة منها قد يستحق قضاؤها فيه . فلم يكن إتيانه بالأولى قبل الفائتة بأولى من الثانية قبل الأولى لاشتراكهما في الوقت ، وأما تعلقهم بحديث الخندق ففيه جوابان :

أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة ذاكرا لوقتها قاصدا للجمع بينها إذا انكشف عدوه وزال خوفه ، فلزمه الترتيب كالجامع بين الصلاتين في وقت أحديهما

والجواب الثاني : أن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم منسوخ بصلاة الخوف وبالمبادرة بالصلاة في وقتها من غير تأخير حسب الطاقة والإمكان ، فلا يصح الاحتجاج به مع ثبوت نسخه . وقولهم إنه بيان مجمل من قوله تعالى : أقيموا الصلاة غير صحيح لأن الصلاة اسم للأفعال دون الأوقات فتوجه البيان إلى الفعل المجمل دون الوقت

وأما تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن عليه صلاة " . مع ضعفه واضطرابه وإنكار أصحاب الحديث له ، وقال أبو علي النيسابوري : هذا حديث ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعذر [ ص: 161 ] القول بموجبه لا وجه له لأنه لو ذكر الصبح في وقت الظهر فقضى الصبح ، فكان ظاهر هذا الخبر يقتضي بطلان صلاته : لما وجب عليه من صلاة الظهر ، وكذلك لو فاتته صلوات واشتغل بقضاء أحدها اقتضى أن تكون باطلة ، لأنه في صلاة وعليه غيرها فلما كان الإجماع يبطل القول بموجبه صرف عن ظاهر وحمل على أن المراد لا صلاة نافلة لمن عليه فريضة ، ويؤيد ذلك ما روي عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإن أتى بها كاملة وإلا قال الله تعالى : انظروا هل تجدون له نوافل ؟ ، فإذا وجدوها كمل بها الفرض . فدل على أن النفل ، لا يحتسب به إذا كان عليه فرض ، وأما قياسهم على الجمع بين صلاتي عرفة فالمعنى فيه : أنه لما لم يسقط الترتيب بعرفة مع النسيان لم يسقط مع العمد فافترقا من حيث الجمع ، وأما قولهم : إنه لما كان ترتيب الأفعال معتبرا وجب أن يكون ترتيب الزمان معتبرا ، فالجواب أن ترتيب الأفعال لما كان معتبرا مع الذكر والنسيان فيما قل وكثر ثبت وجوبه مع الفوائت ، ولما كان ترتيب الزمان يسقط مع النسيان ويختلف فيما قل وكثر سقط وجوبه مع الفوات ، فإن قيل : يجب أن تكون صفة القضاء كصفة الأداء كما قلتم فيمن أحرم " بالعمرة من بلده ثم أفسدها وأراد قضاءها أن عليه الإحرام بها من بلده لتكون صفة قضائها على صفة أدائها فيلزمكم مثل ذلك في الصلاة ، قيل : إذا كان هذا لازما لنا من هذا الوجه فقلبه لازم لكم من هذا الوجه لأنكم تقولون إنه في صلاة العمرة مخير بين الإحرام من بلده أو ميقاته ، فخالفتم صفة الأداء ، فيلزمكم مثل ذلك في الصلاة ، فيكون انفصالكم عنه انفصالا لنا ، ودليلا على الفرق بين ما جمعوا ، ثم نقول لو ألزمناكم هذا لكنا في المعنى سواء ، لأن وزان العمرة ومثالها من الصلاة عدد ركعاتها ، فإذا فسدت الركعة الأخيرة منها لزمه الابتداء بها من أولها ، ووزان الصلاة ومثالها من العمرة أن يحرم بثلاث عمر متواليات فيفسدها ثم يريد القضاء فهو مخير بين الابتداء بما شاء من غير ترتيب فكذا الصلاة ، فأما تعلق مالك ، وأحمد بحديث ابن عمر فراويه الترجمان ، وهو ضعيف عن سعيد بن عبد الرحمن ، وهو متروك الحديث على أنه إن صح فلا حجة لهم فيه ، لأنهم يقولون يمضي فيها استحبابا ويقضي ما عليه ويعيدها استحبابا ، فتساوينا في الخبر وتنازعنا دلالته فلم يكونوا في حمله على ما ذكروا بأولى منا في حمله على ما ذكرنا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث