الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 223 ] سيرة أبي الحسنين علي رضي الله عنه

[ ص: 225 ] علي بن أبي طالب

علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أمير المؤمنين ، أبو الحسن القرشي الهاشمي .

وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية ، وهي بنت عم أبي طالب . كانت من المهاجرات ، توفيت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة .

قال عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي : قلت لأمي اكفي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سقاية الماء والذهاب في الحاجة ، وتكفيك هي الطحن والعجن . وهذا يدل على أنها توفيت بالمدينة .

روى الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه القرآن وأقرأه .

عرض عليه أبو عبد الرحمن السلمي ، وأبو الأسود الدؤلي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى .

وروى عن علي : أبو بكر ، وعمر ، وبنوه : الحسن ، والحسين ، ومحمد ، وعمر ، وابن عمه ابن عباس ، وابن الزبير ، وطائفة من الصحابة ، وقيس بن أبي حازم ، وعلقمة بن قيس ، وعبيدة السلماني ، ومسروق ، وأبو رجاء العطاردي ، وخلق كثير .

[ ص: 226 ] وكان من السابقين الأولين ، شهد بدرا وما بعدها ، وكان يكنى أبا تراب أيضا .

قال عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل ، أن رجلا من آل مروان استعمل على المدينة ، فدعاني وأمرني أن أشتم عليا فأبيت ، فقال : أما إذا أبيت فالعن أبا تراب ، فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه منه ، إن كان ليفرح إذا دعي به ، فقال له : أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب ؟ فقال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة ، فلم يجد عليا في البيت ، فقال : أين ابن عمك ؟ فقالت : قد كان بيني وبينه شيء فغاظني ، فخرج ولم يقل عندي ، فقال لإنسان : " اذهب انظر أين هو " فجاء فقال : يا رسول الله هو راقد في المسجد ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه ، فأصابه تراب ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عنه التراب ويقول : " قم أبا تراب ، قم أبا تراب " أخرجه مسلم .

وقال أبو رجاء العطاردي : رأيت عليا شيخا أصلع كثير الشعر ، كأنما اجتاب إهاب شاة ، ربعة عظيم البطن ، عظيم اللحية .

وقال سوادة بن حنظلة : رأيت عليا أصفر اللحية .

وعن محمد بن الحنفية ، قال : اختضب علي بالحناء مرة ثم [ ص: 227 ] تركه .

وعن الشعبي ، قال : رأيت عليا ورأسه ولحيته بيضاء ، كأنهما قطن .

وقال الشعبي : رأيت عليا أبيض اللحية ، ما رأيت أعظم لحية منه ، وفي رأسه زغيبات .

وقال أبو إسحاق : رأيته يخطب ، وعليه إزار ورداء ، أنزع ، ضخم البطن ، أبيض الرأس واللحية .

وعن أبي جعفر الباقر ، قال : كان علي آدم ، شديد الأدمة ، ثقيل العينين ، عظيمهما ، وهو إلى القصر أقرب .

قال عروة : أسلم علي وهو ابن ثمان .

وقال الحسن بن زيد بن الحسن : أسلم وهو ابن تسع .

وقال المغيرة : أسلم وله أربع عشرة سنة . رواه جرير عنه .

وثبت عن ابن عباس ، قال : أول من أسلم علي .

وعن محمد القرظي ، قال : أول من أسلم خديجة ، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي ، وإن أبا بكر أول من أظهر الإسلام ، وكان علي يكتم الإسلام فرقا من أبيه ، حتى لقيه أبو طالب ، فقال : أسلمت ؟ قال : [ ص: 228 ] نعم . قال : وازر ابن عمك وانصره . وأسلم علي قبل أبي بكر .

وقال قتادة : إن عليا كان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وفي كل مشهد .

وقال أبو هريرة وغيره : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : " لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، ويفتح الله على يديه " قال عمر : فما أحببت الإمارة قبل يومئذ ، قال : فدعا عليا فدفعها إليه ، وذكر الحديث ، كما تقدم في غزوة خيبر بطرقه .

وقال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن عبد الله بن أبي ليلى ، قال : كان أبي يسمر مع علي ، وكان علي يلبس ثياب الصيف في الشتاء ، وثياب الشتاء في الصيف ، فقلت لأبي : لو سألته ، فسأله ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر ، فقلت : يا رسول الله إني أرمد ، فتفل في عيني ، وقال : " اللهم اذهب عنه الحر والبرد " فما وجدته حرا ولا بردا منذ يومئذ .

وقال جرير ، عن مغيرة ، عن أم موسى : سمعت عليا يقول : ما [ ص: 229 ] رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهي وتفل في عيني .

وقال المطلب بن زياد ، عن ليث ، عن أبي جعفر ، عن جابر بن عبد الله : أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر ، حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها يعني خيبر ، وأنهم جروه بعد ذلك ، فلم يحمله إلا أربعون رجلا . تفرد به إسماعيل ابن بنت السدي ، عن المطلب .

وقال ابن إسحاق في " المغازي " : حدثني عبد الله بن الحسن ، عن بعض أهله ، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته ، فلما دنا من الحصن ، خرج إليه أهله ، فقاتلهم ، فضربه رجل من اليهود ، فطرح ترسه من يده ، فتناول علي بابا عند الحصن ، فتترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده ، وهو يقاتل ، حتى فتح الله علينا ، ثم ألقاه ، فلقد رأيتنا ثمانية نفر ، نجهد أن نقلب ذلك الباب ، فما استطعنا أن نقلبه .

وقال غندر : حدثنا عوف ، عن ميمون أبي عبد الله ، عن البراء ، وزيد بن أرقم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي : " أنت مني كهارون من موسى ، غير أنك لست بنبي " ميمون صدوق .

وقال بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية سعدا ، فقال : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟ قال : ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه ، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وخلف عليا في بعض مغازيه ، فقال : يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان ؟ قال : " أما [ ص: 230 ] ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي " أخرجه الترمذي ، وقال : صحيح غريب .

وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، فدفعها إليه ، ففتح الله عليه .

ولما نزلت هذه الآية : فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم [ آل عمران ] دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : " اللهم هؤلاء أهلي " . بكير احتج به مسلم .

وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي : حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار ، عن أبيه ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : أما والله أشهد لقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يوم غدير خم ، وأخذ بضبعيه : " أيها الناس من مولاكم ؟ قالوا : الله ورسوله . قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " الحديث .

إبراهيم هذا ، قال النسائي : ضعيف .

ويروى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة : " قد زوجتك أعظمهم حلما ، وأقدمهم سلما ، وأكثرهم علما " وروى نحوه جابر الجعفي وهو متروك عن ابن بريدة ، عن أبيه .

وقال الأجلح الكندي ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا بريدة لا تقعن في علي فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم [ ص: 231 ] بعدي .

وقال الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كنت وليه فعلي وليه " .

وقال غندر : حدثنا شعبة ، عن ميمون أبي عبد الله ، عن زيد بن أرقم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " هذا حديث صحيح .

وقال أبو الجواب : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن البراء ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مجنبتين على إحداهما علي ، وعلى الآخرة خالد بن الوليد ، وقال : " إذا كان قتال فعلي على الناس " فافتتح علي حصنا ، فأخذ جارية لنفسه ، فكتب خالد في ذلك ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ، قال : " ما تقول في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ؟ " قلت : أعوذ بالله من غضب الله .

أبو الجواب ثقة ، أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن .

قرأت على أبي المعالي أحمد بن إسحاق : أخبركم الفتح بن عبد الله بن محمد .

[ ح ] وأخبرنا يحيى بن أبي منصور ، وجماعة إجازة ، قالوا : أخبرنا أبو الفتوح محمد بن علي بن الجلاجلي ، قالا : أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحسين الحاسب ، قال : أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن [ ص: 232 ] النقور ، قال : حدثنا عيسى بن علي بن الجراح إملاء سنة تسع وثمانين وثلاث مائة ، قال : حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سويد بن سعيد ، قال : حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن حبشي بن جنادة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " علي مني وأنا من علي ، لا يؤدي عني إلا أنا أو هو " رواه ابن ماجه عن سويد ، ورواه الترمذي ، عن إسماعيل بن موسى ، عن شريك ، وقال : صحيح غريب . ورواه يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن جده ، أخرجه النسائي في الخصائص .

وقال جعفر بن سليمان الضبعي : حدثنا يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله ، عن عمران بن حصين ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، واستعمل عليهم عليا ، وكان المسلمون إذا قدموا من سفر أو غزو أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتوا رحالهم ، فأخبروه بمسيرهم ، فأصاب علي جارية ، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنخبرنه ، قال : فقدمت السرية ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بمسيرهم ، فقام إليه أحد الأربعة ، فقال : يا رسول الله قد أصاب علي جارية ، فأعرض عنه ، ثم قام الثاني ، فقال : صنع كذا وكذا ، فأعرض عنه ، ثم الثالث كذلك ، ثم الرابع ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم مغضبا ، فقال : " ما تريدون من علي ، علي مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " أخرجه أحمد في " المسند " [ ص: 233 ] والترمذي وحسنه ، والنسائي . وقالت زينب بنت كعب بن عجرة ، عن أبي سعيد ، قال : اشتكى الناس عليا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا ، فقال : " لا تشكوا عليا ، فوالله إنه لأخشن في ذات الله ، أو في سبيل الله " رواه سعد بن إسحاق ، وابن عمه سليمان بن محمد ابنا كعب ، عن عمتهما .

ويروى عن عمرو بن شاس الأسلمي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من آذى عليا فقد آذاني " .

وقال فطر بن خليفة ، عن أبي الطفيل ، قال : جمع علي رضي الله الناس في الرحبة ، ثم قال لهم : أنشد الله كل امرئ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام ، فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للناس : " أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم " قالوا : نعم يا رسول الله . قال : " من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " ثم قال لي زيد بن أرقم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث