الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وقال القاسم بن الفضل : حدثنا عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال : دعا عثمان ناسا من الصحابة فيهم عمار ، فقال : إني سائلكم وأحب أن تصدقوني ، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريشا على سائر الناس ، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكتوا ، فقال : لو بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوها .

                                                                                      وعن أبي وائل أن عبد الرحمن بن عوف كان بينه وبين عثمان كلام ، فأرسل إليه : لم فررت يوم أحد وتخلفت عن بدر وخالفت سنة عمر ؟ فأرسل إليه : تخلفت عن بدر ؛ لأن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شغلتني بمرضها ، وأما يوم أحد فقد عفا الله عني ، وأما سنة عمر فوالله ما استطعتها أنا ولا أنت .

                                                                                      وقد كان بين علي وعثمان شيء فمشى بينهما العباس ، فقال علي : والله لو أمرني أن أخرج من داري لفعلت ، فأما أداهن أن لا يقام بكتاب [ ص: 187 ] الله فلم أكن لأفعل .

                                                                                      وقال سيف بن عمر ، عن عطية ، عن يزيد الفقعسي ، قال : لما خرج ابن السوداء إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرة ، وعلى سودان بن حمران مرة ، وانقطع إلى الغافقي فشجعه الغافقي فتكلم ، وأطاف به خالد بن ملجم ، وعبد الله بن رزين ، وأشباه لهم ، فصرف لهم القول ، فلم يجدهم يجيبون إلى شيء ما يجيبون إلى الوصية ، فقال : عليكم بناب العرب وحجرهم ، ولسنا من رجاله ، فأروه أنكم تزرعون ، ولا تزرعوا العام شيئا حتى تنكسر مصر ، فتشكوه إلى عثمان فيعزله عنكم ، ونسأل من هو أضعف منه . ونخلو بما نريد ، ونظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي حذيفة ، وهو ابن خال معاوية ، وكان يتيما في حجر عثمان ، فكبر ، وسأل عثمان الهجرة إلى بعض الأمصار ، فخرج إلى مصر ، وكان الذي دعاه إلى ذلك أنه سأل عثمان العمل ، فقال : لست هناك .

                                                                                      قال : ففعلوا ما أمرهم به ابن السوداء ، ثم إنهم خرجوا ومن شاء الله منهم ، وشكوا عمرا واستعفوا منه ، وكلما نهنه عثمان عن عمرو قوما وسكتهم انبعث آخرون بشيء آخر ، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فقال لهم عثمان : أما عمرو فسننزعه عنكم ونقره على الحرب ، ثم ولى ابن أبي سرح خراجهم ، وترك عمرا على الصلاة . فمشى في ذلك سودان ، وكنانة بن بشر ، وخارجة ، فيما بين عبد الله بن سعد ، وعمرو بن العاص ، وأغروا بينهم حتى تكاتبا على قدر ما أبلغوا كل [ ص: 188 ] واحد ، وكتبا إلى عثمان ، فكتب ابن أبي سرح : إن خراجي لا يستقيم ما دام عمرو على الصلاة ، وخرجوا فصدقوه واستعفوا من عمرو ، وسألوا ابن أبي سرح ، فكتب عثمان إلى عمرو : إنه لا خير لك في صحبة من يكرهك فأقبل ، ثم جمع مصر لابن أبي سرح .

                                                                                      وقد روي أنه كان بين عمار بن ياسر ، وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام ، فضربهما عثمان .

                                                                                      وقال سيف ، عن مبشر ، وسهل بن يوسف ، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، قال : قدم عمار بن ياسر من مصر وأبي شاك ، فبلغه ، فبعثني إليه أدعوه ، فقام معي وعليه عمامة وسخة وجبة فراء ، فلما دخل على سعد قال له : ويحك يا أبا اليقظان ، إن كنت فينا لمن أهل الخير ، فما الذي بلغني عنك من سعيك في فساد بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين ، أمعك عقلك أم لا ؟ فأهوى عمار إلى عمامته وغضب فنزعها ، وقال : خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه ، فقال سعد : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ويحك حين كثرت شيبتك ورق عظمك ونفد عمرك خلعت ربقة الإسلام من عنقك وخرجت من الدين عريانا ، فقام عمار مغضبا موليا وهو يقول : أعوذ بربي من فتنة سعد ، فقال سعد : ألا في الفتنة سقطوا ، اللهم زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات ، حتى خرج عمار من الباب ، فأقبل علي سعد يبكي حتى أخضل لحيته ، وقال : من يأمن الفتنة يا بني ، لا يخرجن منك ما سمعت منه ، فإنه من الأمانة ، وإني أكره أن يتعلق به الناس عليه يتناولونه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحق مع عمار ما لم تغلب عليه دلهة الكبر " فقد دله وخرف .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية