الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( الثاني ) من حال الكفار ( يدخلون ) أي دخولهم عمران [ ص: 59 ] الإسلام ولو جباله أو خرابه ، فإن دخلوا ( بلدة لنا ) أو صار بينهم وبيننا دون مسافة القصر كان أمرا عظيما ( فيلزم أهلها الدفع ) لهم ( بالممكن ) أي من أي شيء أطاقوه ، وفي ذلك تفصيل ( فإن أمكن تأهب لقتال ) بأن لم يهجموا بغتة ( وجب الممكن ) في دفعهم على كل منهم ( حتى على ) من لا جهاد عليه من ( فقير وولد ومدين وعبد ) وامرأة فيها قوة ( بلا إذن ) ممن مر ، ويغتفر ذلك لمثل هذا الخطر العظيم الذي لا سبيل لإهماله ( وقيل إن ) ( حصلت مقاومة بأحرار اشترط إذن سيده ) أي العبد للغنى عنه ، والأصح لا لتقوى القلوب ( وإلا ) بأن لم يكن تأهب لهجومهم بغتة ( فمن قصد ) منا ( دفع عن نفسه بالممكن ) حتما ( إن علم أنه إن أخذ قتل ) وإن كان ممن لا جهاد عليه إذ لا يجوز الاستسلام لكافر ( وإن جوز الأسر ) والقتل ( فله ) أن يدفع و ( أن يستسلم ) ويلزم المرأة الدفع إن علمت وقوع فاحشة بها حالا بما أمكنها ، وإن أفضى إلى قتلها إذ لا يباح بخوف القتل ، ومثلها في ذلك الأمرد كما بحثه بعض المتأخرين ( ومن هو دون مسافة القصر من البلدة ) وإن لم يكن من أهل الجهاد ( كأهلها ) فيجب عليه المجيء إليهم .

وإن كان فيهم كفاية مساعدة لهم ; لأنه في حكمهم ( ومن ) هم ( على المسافة ) المذكورة فما فوقها ( يلزمهم ) حيث وجدوا سلاحا ومركوبا ، وإن أطاقوا المشي وزادا ( الموافقة ) لأهل ذلك المحل في الدفع ( بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم ) دفعا عنهم وإنقاذا لهم ، وأفهم قوله بقدر الكفاية عدم لزوم خروج كلهم بل يكفي في سقوط الحرج عنهم خروج طائفة منهم فيهم كفاية ( قيل ) يجب الموافقة على من كان في مسافة القصر فما فوقها ( وإن كفوا ) أي أهل البلد ومن يليهم في الدفع لعظم الخطب ، ورد بأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة ، وفيه غاية الحرج من غير حاجة ، لكن قيل هذا الوجه لا يوجب ذلك بل يوجب الموافقة على الأقرب فالأقرب من غير ضبط إلى وصول الخبر بأنهم قد كفوا ( ولو أسروا مسلما فالأصح وجوب النهوض إليهم ) وجوب عين ولو على نحو قن بلا إذن نظير ما مر كما اقتضاه كلامهم ( لخلاصه إن توقعناه ) ولو على ندور في الأوجه كدخولهم دارنا بل أولى ، إذ حرمة المسلم أعظم ، ويندب عند العجز عن خلاصه افتداؤه بمال ، فمن قال لكافر أطلق [ ص: 60 ] هذا الأسير وعلي كذا فأطلقه لزمه ، ولا رجوع له به على الأسير ما لم يأذن له في فدائه فيرجع عليه ، وإن لم يشرط له الرجوع كما علم من آخر الباب الضمان . ومقابل الأصح قال إزعاج الجنود لخلاص أسير بعيد .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : بأن لم يهجموا ) بابه دخل ا هـ مختار ( قوله : ويغتفر ذلك ) أي عدم الإذن ( قوله وأن يستسلم ) ينبغي أن يخص بهذا ما سبق في باب الصيال من وجوب دفع الصائل إذا كان كافرا .

قال ر م : الجمع بين هذا وما سبق في باب الصيال من أنه يجب دفع الصائل الكافر ، ويمتنع الاستسلام له أن هذا محمول على الاستسلام في الصف وذاك في غير الصف ، والفرق أنه في الصف ينال الشهادة العظمى ، فجاز استسلامه ولا كذلك في غير الصف ا هـ .

ويمكن أن يقال : المراد الصف ولو حكما فإنهم إذا دخلوا دار الإسلام وجب الدفع بالممكن وإن لم يكن صفا فليتأمل ا هـ سم على منهج ( قوله : فاحشة بها حالا ) أي أما لو لم تعلمه حالا فيجوز لها الاستسلام ، ثم إن أريد منها الفاحشة وجب عليها الامتناع والدفع ، وإن أدى إلى قتلها ( قوله : ولو على نحو قن ) أي كالولد والمرأة ( قوله : ويندب عند العجز عن خلاصه افتداؤه بمال ) ينبغي أن يستثنى من المال آلة الحرب لما مر من حرمة بيعها لهم ويدخل في غير آلة الحرب سائر الأموال ، ومنها ما لو طلبوا قوتا يأكلونه أو ما يتأتى منه آلة الحرب كالحديد ، وقد تقدم في باب البيع جواز بيع ذلك لهم وإن أمكن اتخاذه سلاحا لاحتمال أن لا يتخذوه كذلك ، وما هنا أولى منه [ ص: 60 ] لأن ذلك الاحتمال متوهم وضرر الأسر محقق والمحقق لا يترك للمحتمل ، على أنه لو قيل هنا بجواز دفع السلاح لهم إن ظهرت فيه مصلحة تامة لم يبعد أخذا مما يأتي في رد سلاحهم لهم في تخليص أسرانا منهم ( قوله : فأطلقه لزمه ) عبارة شيخ الإسلام في شرح البهجة الكبير قبيل فصل في بيان الجزية ما نصه :

والعين إن أكره والفداء لم يبعث ولو شرطا كعود التزم

أي ولو التزم بعث الفداء إليهم على وجه الشرط في العقد فإنه لا يبعثه ، نعم يستحب ليعتمدوا الشرط في إطلاق الأسرى .

قال الروياني وغيره : والمال المبعوث إليهم فداء لا يملكونه ; لأنه مأخوذ بغير حق ، وقوله كعود : أي كما يحرم عود إليهم وإن شرط ا هـ .

وفي الخطيب على هذا الكتاب مثله وهو قريب ، وعليه فلعل المراد باللزوم كلامه أنه لا يرجع به على الأسير لا أنه يأثم بعدم دفعه للكافر ، إلا أن يقال : ما في شرح البهجة مصور بما إذا أتي بالتزام على صورة الشرط ، وما هنا بصورة معاوضة حيث قال أطلق هذا الأسير وعلى كذا فليتأمل ( قوله : ما لم يأذن له ) أي الأسير .



حاشية المغربي

( قوله : وخرابه ) انظر أخذ هذا غاية في العمران ( قوله : إذ لا يجوز الاستسلام لكافر ) أي في القتل فلا ينافي ما بعده في المتن ( قوله : حالا ) أي لا بعد الأسر ( قوله : ويندب عند العجز ) محله عند عدم تعذيب الأسرى وإلا وجب كما يأتي في الهدنة [ ص: 60 ] قوله : كما علم ) أي الرجوع وعدمه خاصة ، وأما لزوم الفداء للكافر فلم يتقدم ثم ، وانظر ما الفرق بين افتدائه غيره حيث يلزمه ما افتداه به وبين افتدائه نفسه ؟ الذي ذكروه في فصل الأمان حيث لا يلزم بذله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث