الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              4221 [ ص: 77 ] كتاب الخاتم

                                                              1 - باب ما جاء في ترك الخاتم

                                                              518 \ 4057 - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه: أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس .

                                                              وأخرجه البخاري ومسلم .

                                                              وقال أبو داود: رواه عن الزهري، زياد بن سعد، وشعيب، وابن مسافر، كلهم قال: "من ورق ".

                                                              وهؤلاء الذين ذكرهم أبو داود قد أشار إليهم البخاري في "صحيحه " .

                                                              وقد أخرجا من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، وفيه: "من ورق "، فهؤلاء خمسة من ثقات أصحاب الزهري، رووه عنه كذلك.

                                                              وقد قيل: إن هذا عند جميع أصحاب الحديث وهم من ابن شهاب في : "خاتم الذهب "- يعني: أن الصواب أن الذي نبذه هو خاتم الذهب-.

                                                              [ ص: 78 ] قال المهلب : وقد يمكن أن يتأول لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم- وإن كان الوهم أظهر-، وذلك يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لما عزم على اطراح خاتم الذهب، اصطنع خاتما من فضة، بدليل أنه كان لا يستغني عن الختم به على الكتب إلى البلدان والملوك وأجوبة العمال وأمراء الأجناد، فلما لبس خاتم الفضة أراد الناس ذلك اليوم أن يصطنعوا مثله، فطرح عند ذلك خاتم الذهب، فطرح الناس خواتيم الذهب. والتأليف بين الأحاديث أولى من حملها على التنافي والتضاد .

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: ويدل على وهم ابن شهاب: ما رواه البخاري في "صحيحه" من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب، فجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به، واتخذ خاتما من ورق أو فضة .

                                                              فهذا يدل على أن الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم: هو خاتم الذهب، ويدل على أن خاتم الفضة استمر في يده ولم يطرحه، ولبسه بعده أبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته.

                                                              وقال النسائي: أخبرنا محمد بن [ ص: 79 ] معمر، حدثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من ذهب ثلاثة أيام، فلما رآه أصحابه فشت خواتيم الذهب، فرمى به فلا يدرى ما فعل ؟ ثم أمر بخاتم من فضة، فأمر أن ينقش فيه: محمد رسول الله، وكان في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وفي يد أبي بكر حتى مات، وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كثرت عليه [الكتب] دفعه إلى رجل من الأنصار، فكان يختم به، فخرج الأنصاري إلى قليب لعثمان فسقط، فالتمس، فلم يوجد، فأمر بخاتم مثله ونقش فيه: محمد رسول الله .

                                                              وفي "الصحيحين" من حديث الليث، عن نافع، عن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتما من ذهب، وكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه وقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل، فرمى به، وقال: والله لا ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم ، فهذا الحديث متفق عليه، وله طرق عديدة في الكتابين.

                                                              وقد روي، عن البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أنهم لبسوا خواتيم [ ص: 80 ] الذهب.

                                                              وهذا - إن صح عنهم - فلعلهم لم يبلغهم النهي، وهم في ذلك كمن رخص في لبس الحرير من السلف، وقد صحت السنة بتحريمه على الرجال، وإباحتهما للنساء.




                                                              الخدمات العلمية