الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 305 ] مسألة :

" ولمس الذكر بيده "

مس الذكر ينقض الوضوء في ظاهر المذهب ، وروي عنه أنه لا ينقض لما روى قيس بن طلق عن أبيه قال : قال رجل يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال : ( هل هو إلا بضعة منه ) رواه الخمسة وقال الترمذي : هذا أحسن شيء في هذا الباب .

وعن أبي أمامة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر فقال : " إنما هو جزء منك " رواه ابن ماجه .

ولأنه عضو منه فلم ينقض كسائر الأعضاء ، وهذا لأن النقض إما بخارج أو بمظنة خارج وكلاهما مفقود ، وعلى هذه الرواية الوضوء منه مستحب ، ونص عليه حملا لأحاديث الأمر به على ذلك توفيقا بين الأحاديث في [ ص: 306 ] ذلك والآثار ، والصحيح الأول لما روت بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ ) رواه الخمسة .

وفي لفظ النسائي : ( إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ ) وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وقال أحمد : حديث بسرة صحيح .

وعن أم حبيبة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من مس فرجه فليتوضأ ) رواه ابن ماجه والأثرم .

قال الإمام أحمد : حديث أم حبيبة صحيح ، وقال أبو زرعة : حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى [ ص: 307 ] الله عليه وسلم قال : ( إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء ) رواه الشافعي وأحمد ، وقال أبو علي بن السكن هذا من أجود ما روي في هذا الباب .

وقد روي النقض به عن بضعة عشر من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء النقض بمسه عن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وزيد بن خالد والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، وهو شيء لا يدرك بالرأي والقياس فعلم أنهم قالوا عن توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعارض هذا أن يكون هو المتمسك باستصحاب الحال والبراءة الأصلية ، وأما حديث قيس [ ص: 308 ] وأبي أمامة ، فعنه أجوبة : أحدها : تضعيفه فقد ضعفه أحمد ويحيى وقال أبو زرعة وأبو حاتم : قيس لا تقوم به حجة ، وجعفر بن الزبير كذبه شعبة ، وقال البخاري والنسائي : هو متروك .

وثانيها : أنه منسوخ لأن طلق بن علي الحنفي " كان قدومه وهم يؤسسون المسجد " رواه الدارقطني ، وتأسيس المسجد كان في السنة الأولى من الهجرة ، وأخبار الإيجاب من رواتها أبو هريرة ، وإنما أسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم بعد خيبر في السنة السابعة من الهجرة وبسرة بنت صفوان أسلمت عام الفتح في السنة الثامنة .

وثالثها : أن أحاديثنا ناقلة عن الأصل ، وحديثهم مبق على الأصل ، فإن كان الأمر به هو المنسوخ لزم التعبير مرتين ، وإن كان ترك الوضوء هو المنسوخ لم يلزم التعبير إلا مرة واحدة فيكون أولى ، وهذه قاعدة مستقرة أن الناقل أولى من المبقي لما ذكرنا .

ورابعها : أنه يمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء ما إذا لمسه من وراء حائل لأن في رواية النسائي عن طلق قال : خرجنا وفدا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فتابعناه وصلينا معه ، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما تقول في رجل مس ذكره في الصلاة قال : [ ص: 309 ] ( وهل هو إلا مضغة منك ) أو قال ( بضعة منك ) والمصلي في الغالب إنما يمسه من فوق ثيابه ، يؤيد ذلك أنه علل ذلك بأنه بضعة منك وهذا التعليل مساواته كسائر البضعات والمضغ وهذه التسوية متحققة فيما فوق الثوب ، فأما دون الثوب فيتميز وجوب الغسل والمهر والحد وفساد العبادات بإيلاجه وتنجس الخارجات منه وغير ذلك فكيف يقاس بغيره .

وخامسها : أنا قدرنا التعارض ، فأحاديثنا أكثر رواة وأصح إسنادا وأقرب إلى الاحتياط وذلك يوجب ترجيحها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث