الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


64 - ( 2 ) - حديث : { لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك } [ ص: 101 ] متفق عليه من رواية أبي هريرة في حديث ، وله طرق وألفاظ ، ورواه مسلم من حديث أبي سعيد ، والبزار من حديث علي ، وابن حبان من حديث الحارث الأشعري ، وأحمد من حديث ابن مسعود ، والحسن بن سفيان من حديث جابر .

( تنبيه ) الخلوف بضم الخاء هو التغير في الفم قال عياض قيدناه عن المتقنين بالضم وأكثر المحدثين يفتحون خاءه وهو خطأ وعده الخطابي في غلطات المحدثين .

واختلف العلماء في معنى قوله سبحانه وتعالى : { إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به } على أقوال كثيرة بلغ بها أبو الخير الطالقاني إلى خمسة وخمسين قولا ، والمشهور منها أقوال :

الأول : أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلا الصوم فإنه أكثر .

الثاني : أنه يوم القيامة يأخذ خصماؤه جميع أعماله ; إلا الصوم فلا سبيل لهم عليه ، قاله ابن عيينة .

الثالث : أن الصوم لم يعبد به غير الله ، وما عداه من العبادات تقربوا به إلى آلهتهم .

الرابع : أن الصوم صبر ، والله تعالى يقول : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ، ووقع نزاع بين الإمامين أبي محمد بن عبد السلام ، وأبي عمرو بن الصلاح ، في أن هذا الطيب هل هو في الدنيا ، أو في الآخرة ؟ فقال ابن عبد السلام : [ ص: 102 ] في الآخرة خاصة ، لرواية مسلم : من ريح المسك يوم القيامة " وقال ابن الصلاح : عام في الدنيا والآخرة ، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة ، ونقله عن خلق من العلماء ، وأوضح ما استدل به ; ما رواه ابن حبان بلفظ : { لخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام }ورواية جابر عن مسند الحسن بن سفيان

وأما الثانية : فإنهم يمشون ، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك . أملاه الإمام أبو منصور السمعاني ، وقال : إنه حديث حسن ، قال ابن الصلاح : وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء ، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل في الدنيا ، فخص في هذه الرواية لذلك ، وأطلق في باقي الروايات ، نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابتة في الدارين ، كما قال تعالى : { إن ربهم بهم يومئذ لخبير }.

( تنبيه آخر ) واستدل الأصحاب بهذا الحديث على كراهية الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائما ، وفي الاستدلال به ( نظر ) ، لكن في رواية الدارقطني عن أبي هريرة ، قال : { لك السواك إلى العصر ، فإذا صليت فألقه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك }وقد عارضه حديث عامر بن ربيعة ، قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك ، وهو صائم ما لا أعد }. رواه أبو داود وغيره ، وإسناده حسن ، علقه البخاري ، ونقل الترمذي : أن الشافعي قال : لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره . وهذا اختيار أبي شامة ، وابن عبد السلام ، والنووي ، وقال : إنه قول أكثر العلماء ، ومنهم المزني . وفي الباب حديث علي : { إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ، ولا تستاكوا بالعشي ، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي ، إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة }وإسناده ضعيف ، أخرجه البيهقي [ ص: 103 ]

( فصل ) نازع جماعة في صحة الاستدلال بحديث أبي هريرة ، على كراهة السواك للصائم حين يخلف فمه ، منهم ابن العربي فقال : الخلوف يقع من خلو المعدة ، والسواك لا يزيله ، وإنما يزيل وسخ الأسنان . وقال أيضا : الحديث لم يسق لكراهية السواك ، وإنما سيق لترك كراهة مخالطة الصائم . كذا قال ، وفيه نظر لما تقدم من قول أبي هريرة راوي الحديث ، وكذا في قوله : والسواك لا يزيله نظر ; لأنه يزيل المتصعد إلى الأسنان الناشئ عن خلو المعدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث