الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان أسباب وجوب الحدود

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان أسباب وجوبها فلا يمكن الوصول إليه إلا بعد معرفة أنواعها ; لأن سبب وجوب كل نوع يختلف باختلاف النوع ، فنقول : الحدود خمسة أنواع : حد السرقة ، وحد الزنا ، وحد الشرب ، وحد السكر ، وحد القذف .

( أما ) حد السرقة : فسبب وجوبه السرقة ، وسنذكر ركن السرقة وشرائط الركن في كتاب السرقة .

( وأما ) حد الزنا فنوعان : جلد ، ورجم ، وسبب وجوب كل واحد منهما وهو الزنا ، وإنما يختلفان في الشرط ، وهو الإحصان ، فالإحصان شرط لوجوب الرجم وليس بشرط لوجوب الجلد ، فلا بد من معرفة الزنا والإحصان في عرف الشرع ، أما الزنا : فهو اسم للوطء الحرام في قبل المرأة الحية في حالة الاختيار في دار العدل ، ممن التزم أحكام الإسلام العاري عن حقيقة الملك وعن شبهته ، وعن حق الملك وعن حقيقة النكاح وشبهته ، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح [ ص: 34 ] جميعا .

والأصل في اعتبار الشبهة في هذا الباب الحديث المشهور ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : { ادرءوا الحدود بالشبهات } ; ولأن الحد عقوبة متكاملة فتستدعي جناية متكاملة ، والوطء في القبل في غير ملك ولا نكاح لا يتكامل جناية ; إلا عند انتفاء الشبهة كلها إذا عرف الزنا في عرف الشرع فنخرج عليه بعض المسائل فنقول : الصبي أو المجنون إذا وطئ امرأة أجنبية لا حد عليه ; لأن فعلهما لا يوصف بالحرمة ، فلا يكون الوطء منهما زنا ، فلا حد على المرأة إذا طاوعته عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم ، وقال زفر والشافعي رضي الله عنهم : عليها الحد .

ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ولا حد عليها ، لهما أن المانع من وقوع الفعل زنا خص أحد الجانبين فيختص به المنع ، كالعاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ، وإن كان لا يجب عليها ; لما قلنا .

كذا هذا .

( ولنا ) أن وجوب الحد على المرأة في باب الزنا ليس لكونها زانية ; لأن فعل الزنا لا يتحقق منها وهو الوطء ; لأنها موطوءة وليست بواطئة ، وتسميتها في الكتاب العزيز زانية مجاز لا حقيقة ، وإنما وجب عليها ; لكونها مزنيا بها ، وفعل الصبي والمجنون ليس بزنا فلا تكون هي مزنيا بها ، فلا يجب عليها الحد ، وفعل الزنا يتحقق من العاقل البالغ فكانت الصبية أو المجنونة مزنيا بها ، إلا أن الحد لم يجب عليها ; لعدم الأهلية والأهلية ثابتة في جانب الرجل فيجب ، وكذلك الوطء في الدبر في الأنثى أو الذكر لا يوجب الحد عند أبي حنيفة وإن كان حراما ; لعدم الوطء في القبل فلم يكن زنا ، وعندهما والشافعي يوجب الحد - وهو الرجم - إن كان محصنا والجلد إن كان غير محصن لا لأنه زنا ; بل لأنه في معنى الزنا ; لمشاركة الزنا في المعنى المستدعي لوجوب الحد وهو الوطء الحرام على وجه التمحض ، فكان في معنى الزنا ، فورود النص بإيجاب الحد هناك يكون ورودا ههنا دلالة .

ولأبي حنيفة ما ذكرنا أن اللواطة ليست بزنا ; لما ذكرنا أن الزنا اسم للوطء في قبل المرأة ، ألا ترى أنه يستقيم أن يقال : لاط وما زنى ، وزنى وما لاط ، ويقال : فلان لوطي وفلان زاني ، فكذا يختلفان اسما ، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل ; ولهذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم في حد هذا الفعل ، ولو كان هذا زنا - لم يكن لاختلافهم معنى ; لأن موجب الزنا كان معلوما لهم بالنص فثبت أنه ليس بزنا ولا في معنى الزنا أيضا ; لما في الزنا من اشتباه الأنساب وتضييع الولد ولم يوجد ذلك في هذا الفعل ، إنما فيه تضييع الماء المهين الذي يباح مثله بالعزل ، وكذا ليس في معناه فيما شرع له الحد وهو الزجر ; لأن الحاجة إلى شرع الزاجر فيما يغلب وجوده ولا يغلب وجود هذا الفعل ; لأن وجوده يتعلق باختيار شخصين ، ولا اختيار إلا لداع يدعو إليه ، ولا داعي في جانب المحل أصلا ، وفي الزنا وجد الداعي من الجانبين جميعا - وهو الشهوة المركبة فيهما جميعا - فلم يكن في معنى الزنا - فورود النص هناك ليس ورودا ههنا ، وكذا اختلاف اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم دليل على أن الواجب بهذا الفعل هو التعزير ; لوجهين : أحدهما - أن التعزير هو الذي يحتمل الاختلاف في القدر والصفة لا الحد .

والثاني - أنه لا مجال للاجتهاد في الحد بل لا يعرف إلا بالتوقيف ، وللاجتهاد مجال في التعزير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث