الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان كيفية فرضية الجهاد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 98 ] فصل ) :

وأما بيان كيفية فرضية الجهاد ، فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين ، إما إن كان النفير عاما ( وإما ) إن لم يكن فإن لم يكن النفير عاما فهو فرض كفاية ، ومعناه : أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد ، لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين ; لقوله - عز وجل - { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى } وعد الله - عز وجل - المجاهدين والقاعدين الحسنى ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما وعد القاعدين الحسنى ; لأن القعود يكون حراما وقوله - سبحانه وتعالى - { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين } الآية ولأن ما فرض له الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام ، وإعلاء الدين الحق ، ودفع شر الكفرة وقهرهم ، يحصل بقيام البعض به .

وكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث السرايا ، ولو كان فرض عين في الأحوال كلها لكان لا يتوهم منه القعود عنه في حال ، ولا أذن غيره بالتخلف عنه بحال ، وإذا كان فرضا على الكفاية فلا ينبغي للإمام أن يخلي ثغرا من الثغور من جماعة من الغزاة فيهم غنى وكفاية لقتال العدو ، فإذا قاموا به يسقط عن الباقين ، وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة ، وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا إليهم ، وأن يمدوهم بالسلاح ، والكراع ، والمال ; لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم ممن هو من أهل الجهاد ، لكن الفرض يسقط عنهم بحصول الكفاية بالبعض ، فما لم يحصل لا يسقط ولا يباح للعبد أن يخرج إلا بإذن مولاه ، ولا المرأة إلا بإذن زوجها ; لأن خدمة المولى ، والقيام بحقوق الزوجية .

كل ذلك فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية ، وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتا ; لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية ، والأصل أن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك ، ويشتد فيه الخطر لا يحل للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه ; لأنهما يشفقان على ولدهما فيتضرران بذلك ، وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما إذا لم يضيعهما ; لانعدام الضرر ، ومن مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير إذنهما ; لأنهما لا يتضرران بذلك بل ينتفعان به ، فلا يلحقه سمة العقوق ، هذا إذا لم يكن النفير عاما ، فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد ، فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه ; لقوله سبحانه وتعالى { انفروا خفافا وثقالا } قيل : نزلت في النفير .

وقوله سبحانه وتعالى { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت ; لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به ، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل ، فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة ، فيخرج العبد بغير إذن مولاه ، والمرأة بغير إذن زوجها ; لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينا مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعا ، كما في الصوم والصلاة ، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه ; لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة ، والله - تعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث