الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم الغنائم وما يتصل بها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) .

وأما بيان حكم الغنائم وما يتصل بها ، فنقول - وبالله التوفيق - هاهنا ثلاثة أشياء : النفل ، والفيء ، والغنيمة فلا بد من بيان معاني هذه الألفاظ وما يتعلق بها من الشرائط والأحكام .

( أما ) النفل في اللغة فعبارة عن الزيادة ، ومنه سمي ولد الولد نافلة ; لأنه زيادة على الولد الصلبي ، وسميت نوافل العبادات لكونها زيادات على الفرائض ، وفي الشريعة عبارة [ ص: 115 ] عما خصه الإمام لبعض الغزاة تحريضا لهم على القتال ، سمي نفلا لكونه زيادة على ما يسهم لهم من الغنيمة ، والتنفيل هو تخصيص بعض الغزاة بالزيادة ، نحو أن يقول الإمام : من أصاب شيئا فله ربعه أو ثلثه أو قال : من أصاب شيئا فهو له أو قال : من أخذ شيئا أو قال : من قتل قتيلا فله سلبه أو قال لسرية : ما أصبتم فلكم ربعه أو ثلثه أو قال : فهو لكم وذلك جائز ; لأن التخصيص بذلك تحريض على القتال ، وأنه أمر مشروع ومندوب إليه .

قال الله - تعالى عز شأنه - { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ ; لأن التنفيل بكل المأخوذ قطع حق الغانمين عن النفل أصلا ، لكن مع هذا لو رأى الإمام المصلحة في ذلك ففعله مع سرية جاز ; لأن المصلحة قد تكون فيه في الجملة ، ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسلب وغير ذلك ; لأن معنى التحريض على القتال يتحقق في الكل ، والسلب هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه ، ودابته التي ركبها بسرجها وآلاتها ، وما كان معه من مال في حقيبة على الدابة ، أو على وسطه .

( وأما ) حقيبة غلامه ، وما كان مع غلامه من دابة أخرى ، فليس بسلب ولو اشتركا في قتل رجل كان السلب بينهما ، فإن بدأ أحدهما فضربه ، ثم أجهزه الآخر بأن كانت الضربة الأولى قد أثخنته وصيرته إلى حال لا يقاتل ولا يعين على القتال فالسلب للأول ; لأنه قتيل الأول .

وإن كانت الضربة الأولى لم تصيره إلى هذه الحالة فالسلب للثاني ; لأنه قتيل الثاني ولو قتل رجل واحد قتيلين أو أكثر فله سلبه وهل يدخل الإمام في التنفيل ؟ إن قال : في جميع ذلك منكم لا يدخل ; لأنه خصهم وإن لم يقل : منكم يدخل ; لأنه عم الكلام ، هذا إذا نفل الإمام ، فإن لم ينفل شيئا ، فقتل رجل من الغزاة قتيلا لم يختص بسلبه عندنا .

وقال الشافعي - رحمه الله تعالى : إن قتله مدبرا منهزما لم يختص بسلبه ، وإن قتله مقبلا مقاتلا يختص بسلبه واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من قتل قتيلا فله سلبه وهذا منه عليه الصلاة والسلام } نصب الشرع ، ولأنه إذا قتله مقبلا مقاتلا فقد قتله بقوة نفسه فيختص بالسلب ، وإذا قتله موليا منهزما فإنما قتله بقوة الجماعة فكان السلب غنيمة مقسومة .

( ولنا ) أن القياس يأبى جواز التنفيل والاختصاص بالمصاب من السلب وغيره ; لأن سبب الاستحقاق إن كان هو الجهاد وجد من الكل ، وإن كان هو الاستيلاء والإصابة ، والأخذ بذلك حصل بقوة الكل فيقتضي الاستحقاق للكل ، فتخصيص البعض بالتنفيل يخرج مخرج قطع الحق عن المستحق ، فينبغي أن لا يجوز إلا أنا استحسنا الجواز بالنص وهو قوله - تبارك وتعالى : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } والتنفيل تحريض على القتال بإطماع زيادة المال ; لأن من له زيادة غنى وفضل شجاعة ، لا يرضى طبعه بإظهار ذلك مع ما فيه من مخاطرة الروح ، وتعريض النفس للهلاك ، إلا بإطماع زيادة لا يشاركه فيه غيره فإذا لم يطمع لا يظهر فلا يستحق الزيادة والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

( وأما ) الحديث فلا حجة له فيه ; لأنه يحتمل أنه نصب ذلك القول شرعا ، ويحتمل أن يكون نصبه شرطا ، ويحتمل أنه نفل قوما بأعيانهم فلا يكون حجة ، مع الاحتمال نظيره قوله عليه الصلاة والسلام { من أحيا أرضا ميتة فهي له } أنه لم يجعله أبو حنيفة حجة لملك الأرض المحياة بغير إذن الإمام لمثل هذا الاحتمال والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث