الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 116 ] وأما ) الفيء فهو اسم لما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ، ولا ركاب ، نحو الأموال المبعوثة بالرسالة إلى إمام المسلمين ، والأموال المأخوذة على موادعة أهل الحرب ، ولا خمس فيه ; لأنه ليس بغنيمة إذ هي للمأخوذ من الكفرة على سبيل القهر والغلبة ، ولم يوجد وقد كان الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يتصرف فيه كيف شاء ، يختصه لنفسه ، أو يفرقه فيمن شاء قال الله - تعالى عز شأنه : { وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير } .

وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله - عز وجل - على رسوله صلى الله عليه وسلم وكانت خالصة له وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة ، وما بقي جعله في الكراع والسلاح ، ولهذا كانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كانت لم يوجف عليها الصحابة رضي الله عنهم من خيل ولا ركاب فإنه روي أن أهل فدك لما بلغهم أهل خيبر { أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويحقن دماءهم ويخلوا بينه وبين أموالهم ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحوه على النصف من فدك ، فصالحهم عليه الصلاة والسلام على ذلك ، } ثم الفرق بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأئمة في المال المبعوث إليهم من أهل الحرب أنه يكون لعامة المسلمين ، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أن الإمام إنما أشرك قومه في المال المبعوث إليه من أهل الحرب ; لأن هيبة الأئمة بسبب قومهم ، فكانت شركة بينهم .

( وأما ) هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت بما نصر من الرعب لا بأصحابه ، كما قال عليه الصلاة والسلام { : نصرت بالرعب مسيرة شهرين } لذلك كان له أن يختص لنفسه والله - سبحانه وتعالى - أعلم وعلى هذا إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين ، يكون فيئا لجماعة المسلمين ، ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يكون للآخذ خاصة .

( وجه ) قولهما أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة فيختص بملكه ، كما إذا دخلت طائفة من أهل الحرب دار الإسلام ، فاستقبلتها سرية من أهل الإسلام فأخذتها إنهم يختصون بملكها .

والدليل عن أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة أن السبب هو الأخذ ، والاستيلاء هو إثبات اليد ، وقد وجد ذلك حقيقة من الآخذ خاصة ، وأهل الدار إن كانت لهم يد لكنها يد حكمية ، ويد الحربي حقيقية ; لأنه حر ، والحر في يد نفسه ، واليد الحكمية لا تصلح مبطلة لليد الحقيقية ; لأنها دونها ، ونقض الشيء بما هو مثله ، أو بما هو فوقه ، لا بما هو دونه فأما يد الآخذ فيد حقيقة ، وهي محقة ويد الحربي مبطلة ، فجاز إبطالها بها .

( وجه ) قول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه وجد سبب ثبوت الملك لعامة المسلمين في محل قابل للملك ، وهو المباح فيصير ملكا للكل ، كما إذا استولى جماعة على صيد .

وإنما قلنا ذلك ; لأنه كلما دخل دار الإسلام فقد ثبت يد أهل الدار عليه ; لأن الدار في أيديهم فما في الدار يكون في أيديهم أيضا ، ولهذا قلنا إنه لا يثبت الملك للغانمين في الغنائم ما داموا في دار الحرب ، كهذا هاهنا قوله : يد أهل الدار يد حكمية ، ويد الحربي حقيقية ، فلا تبطلها .

قلنا ويد أهل الدار حقيقية أيضا ; لأن المعنى من اليد في هذه الأبواب القدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات ، ولأهل الدار آلات سليمة لو استعملوها في التصرف عليه لحدثت لهم بمجرى العادة قدرة حقيقية على وجه لا يمكنهم مقاومتهم ومعارضتهم ، مع ما أنه إذا ثبت يد الآخذ عليه حقيقة ، فقد ثبت يد أهل الدار ; لأن يده يد أهل الدار ; لأن أهل دار الإسلام كلهم منعة واحدة ، فإنهم يذبون عن دين واحد ، فكانت يده يد الكل معنى ، كما إذا دخل الغزاة دار الحرب ، فأخذ واحد منهم شيئا من أموال الكفرة ، فإن المأخوذ يكون غنيمة مقسومة بين الكل كذا هذا والله - سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث