الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم الغنائم وما يتصل بها

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) قسمة الملك فلا تجوز في دار الحرب عند أصحابنا ، وعند الشافعي - رحمه الله - تجوز وهذا الاختلاف مبني على أصل ، وهو أن الملك هل يثبت في الغنائم في دار الحرب للغزاة ؟ فعندنا لا يثبت الملك أصلا فيها ، لا من كل وجه ، ولا من وجه ، ولكن ينعقد سبب الملك فيها على أن تصير علة عند الأحرار بدار الإسلام ، وهو تفسير حق الملك ، أو حق التملك عندنا ، وعنده يثبت الملك قبل الإحراز بدار الإسلام بعد الفراغ من القتال قولا واحدا ، وله في حال فور الهزيمة قولان ، ويبنى على هذا الأصل مسائل : ( منها ) أنه إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا ، وعنده يورث والله تعالى - أعلم .

( ومنها ) أن المدد إذا لحق الجيش فأحرزوا الغنائم جملة إلى دار الإسلام يشاركونهم فيها عندنا ، وعنده لا يشاركونهم .

( ومنها ) أنه إذا أتلف واحد من الغانمين شيئا من الغنيمة لا يضمن عندنا ، وعنده يضمن .

( ومنها ) أن الإمام إذا باع شيئا من الغنائم لا لحاجة الغزاة ، لا يجوز عندنا ، وعنده يجوز .

( ومنها ) أن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب مجازفا غير مجتهد ولا معتقد جواز القسمة لا تجوز عندنا ، وعنده تجوز .

( فأما ) إذا رأى الإمام القسمة فقسمها نفذت قسمته بالإجماع ، وكذلك لو رأى البيع فباعها ; لأنه حكم أمضاه في محل الاجتهاد ، بالاجتهاد فينفذ .

( وجه ) قول الشافعي - رحمه الله - ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم خيبر بخيبر ، وقسم غنائم أوطاس بأوطاس ، وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم ، وقسم غنائم بدر بالجعرانة } وهي واد من أودية بدر ، وأدنى ما يحمل عليه فعل النبي عليه الصلاة والسلام هو الجواز والإباحة ، ولأنه وجد الاستيلاء على مال مباح فيفيد الملك استدلالا بالاستيلاء على الحطب والحشيش ، ولا شك أن المستولى عليه مال مباح ; لأنه مال الكافر ، وأنه مباح ، والدليل على تحقق الاستيلاء أن الاستيلاء عبارة عن إثبات اليد على المحل ، وقد وجد ذلك حقيقة ، وإنكار الحقائق مكابرة ، ورجعة الكفار بعد انهزامهم واستردادهم أمر موهوم لا دليل عليه ، فلا يعتبر .

( ولنا ) أن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك ، ولم يوجد هاهنا ; لأن ملك الكفرة قائم ; لأن ملك الكفرة كان ثابتا لهم ، والملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته ، أو يخرج المحل من أن يكون منتفعا به حقيقة بالهلاك ، أو بعجز المالك عن الانتفاع به دفعا للتناقض فيما شرع الملك له ، ولم يوجد شيء من ذلك .

( أما ) الإزالة وهلاك المحل فظاهر العدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث