الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم الغنائم وما يتصل بها

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما بيان ) ما يجوز به الانتفاع من الغنائم ، وما لا يجوز ، فالكلام فيه في موضعين : ( أحدهما ) في بيان ما ينتفع به منها .

( والثاني ) في بيان من ينتفع به .

( أما الأول ) فلا بأس بالانتفاع بالمأكول والمشروب ، والعلف والحطب منها قبل الإحراز بدار الإسلام فقيرا كان المنتفع أو غنيا ; لعموم الحاجة إلى الانتفاع بذلك في حق الكل ، فإنهم لو كلفوا حملها من دار الإسلام إلى دار الحرب مدة ذهابهم وإيابهم ومقامهم فيها لوقعوا في حرج عظيم ، بل يتعذر عليهم ذلك ، فسقط اعتبار حق كل واحد من الغانمين في حق صاحبه ، والتحق بالعدم شرعا والتحقت هذه المحال بالمباحات الأصلية لهذه الضرورة ، وكذلك كل ما كان مأكولا مثل السمن والزيت والخل لا [ ص: 124 ] بأس أن يتناول الرجل ويدهن به نفسه ، ودابته ; لأن الحاجة إلى الانتفاع بهذه الأشياء قبل الإحراز بدار الإسلام لازمة .

وما كان من الأدهان لا يؤكل مثل البنفسج والخيري فلا ينبغي أن ينتفع به ; لأن الانتفاع به ليس من الحاجات اللازمة ، بل من الحاجات الزائدة ، ولا ينبغي أن يبيعوا شيئا من الطعام والعلف وغير ذلك مما يباح الانتفاع به بذهب ولا فضة ولا عروض ; لأن إطلاق الانتفاع ، وإسقاط اعتبار الحقوق وإلحاقها بالعدم للضرورة التي ذكرنا ، ولا ضرورة في البيع ، ولأن محل البيع هو المال المملوك ، وهذا ليس بمال مملوك ; لأن الإحراز بالدار شرط ثبوت الملك ، ولم يوجد ، فإن باع رجل شيئا رد الثمن إلى الغنيمة ; لأن الثمن بدل مال تعلق به حق الغانمين فكان مردودا إلى المغنم ، ولو أحرزوا شيئا من ذلك بدار الإسلام وهو في أيديهم ، وإن كانت لم تقسم الغنائم ردوها إلى المغنم ; لاندفاع الضرورة .

وإن كانت قد قسمت الغنيمة فإن كانوا أغنياء تصدقوا به على الفقراء ، وإن كانوا فقراء انتفعوا به لتعذر قسمته على الغزاة لكثرتهم وقلته ، فأشبه اللقطة والله - سبحانه - أعلم .

هذا إذا كانت قائمة بعد القسمة فإن كان انتفع بها بعد القسمة ، فإن كان غنيا تصدق بقيمته على الفقراء ; لأنه أكل مالا لو كان قائما لكان سبيله التصدق لكونه مالا يتعلق به حق الغانمين ، وتعذر صرفه إليهم لقلته وكثرتهم ، فيقوم بدله مقامه ، وهو قيمته ، وإن كان فقيرا لم يجب عليه شيء ; لأنه أكل مالا لو كان قائما لكان له أن يأكله ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

وأما ما سوى المأكول والمشروب ، والعلف والحطب ، فلا ينبغي أن ينتفعوا به ; لأن حق الغانمين متعلق به ، وفي الانتفاع إبطال حقهم ، إلا أنه إذا احتاج إلى استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب ، فلا بأس باستعماله ، بأن انقطع سيفه ، فلا بأس بأن يأخذ سيفا من الغنيمة فيقاتل به لكنه إذا استغنى عنه رده إلى المغنم .

وكذا إذا احتاج إلى ركوب فرس ، أو لبس ثوب إذا دفع حاجته بذلك ، رده إلى المغنم ; لأن هذا موضع الضرورة أيضا ، لكن الثابت بالضرورة لا يتعدى محل الضرورة ، حتى إنه لو أراد أن يستعمل شيئا من ذلك وقاية لسلاحه ودوابه وثيابه وصيانة لها ، فلا ينبغي له ذلك ; لانعدام تحقق الضرورة ، وهكذا إذا ذبحوا البقر أو الغنم وأكلوا اللحم وردوا الجلود إلى المغنم ; لأن الانتفاع به ليس من الحاجات اللازمة ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث