الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

، ولو غصب من إنسان شيئا ، فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده ، فالمالك بالخيار ، إن شاء ضمن الأول ، وإن شاء ضمن الثاني أما تضمين الأول فلوجود فعل الغصب منه : وهو تفويت يد المالك .

وأما تضمينه الثاني ; فلأنه فوت يد الغاصب الأول ، ويده يد المالك من وجه ; لأنه يحفظ ماله ويتمكن من رده على المالك ويستقر بهما الضمان في ذمته ، فكانت منفعة يده عائدة إلى المالك ، فأشبهت يد المودع ، وقد وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان ، إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق ، فإن اختار أن يضمن الأول رجع بالضمان على الثاني ; لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه ، فتبين أن الثاني غصب ملكه ، وإن اختار تضمين الثاني لا يرجع على أحد ; لأنه ضمن بفعل نفسه وهو تفويت يد المالك من وجه على ما بينا ، وكذلك إن استهلكه الغاصب الثاني ، ومتى اختار تضمين أحدهما ، هل يبرأ الآخر عن الضمان بنفس الاختيار ؟ ذكر في الجامع أنه يبرأ ، حتى لو أراد تضمينه بعد ذلك لم يكن له ذلك .

وروى ابن سماعة رحمه الله في نوادره عن محمد أنه لا يبرأ ما لم يرض من اختار تضمينه أو يقضي به عليه .

( وجه ) رواية النوادر أن عند وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه ; لأنه باعه منه ، فلا يملك [ ص: 145 ] الرجوع بعد تمليكه ، كما لو باعه من الأول ، فأما قبل وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه ; لأنه باعه منه ، فلا يملك الرجوع بعد تمليكه ، كما لو باعه من الأول ، فأما قبل وجود الرضا أو القضاء ، فلم يوجد منه التمليك من أحدهما ، فله أن يملكه من أيهما شاء .

( وجه ) رواية الجامع ما ذكرنا أنه باختياره تضمين الغاصب الآخر أظهر أنه راض بأخذ الأول ، وإنه بمنزلة المودع ، وباختيار تضمين الأول أظهر أن الثاني ما أتلف عليه شيئا ; لأنه لم يفوت يده والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع الغاصب المغصوب من الثاني فهلك في يده ، يتخير المالك فيضمن أيهما شاء ، فإن ضمن الغاصب جاز بيعه والثمن له لما ذكرنا .

وإن ضمن المشتري بطل البيع ولا يرجع بالضمان على البائع ، ولكنه يرجع بالثمن عليه لما ذكرنا ، وكذلك لو استهلكه المشتري ، ولو كان المغصوب عبدا فأعتقه المشتري من الغاصب ، ثم أجاز المالك البيع ، نفذ إعتاقه استحسانا ، وعند محمد وزفر رحمهما الله لا ينفذ قياسا ، ولا خلاف في أنه لو باعه المشتري ، ثم أجاز المالك البيع الأول أنه لا ينفذ البيع الثاني .

( وجه ) القياس ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم ولا ملك للمشتري في العبد } ; لأنه ملك المغصوب منه ، فلا ينعقد إعتاقه فيه فينفذ عليه عند الإجازة ، ولهذا لم ينفذ بيعه .

( وجه ) الاستحسان أن إعتاق المشتري صادف ملكا على التوقف فينعقد على التوقف ، كالمشتري من الوارث عبدا من التركة المستغرقة بالدين إذا أعتقه ، ثم أبرأ الغرماء الميت عن ديونهم ، والدليل على أن الإعتاق صادف ملكا على التوقف : أن سبب الملك انعقد على التوقف وهو البيع المطلق الخالي عن الشرط ممن هو من أهل البيع في محل قابل ، إلا أنه لم ينفذ دفعا للضرر عن المالك ، ولا ضرر عليه في التوقف فيتوقف ، وإذا توقف سبب الملك يتوقف الملك فيتوقف الإعتاق ، بخلاف البيع فإنه يعتمد شروطا أخر ، ألا ترى أنه لا يجوز بيع المنقول قبل القبض مع قيام الملك لمعنى الغرر ، وفي توقيف نفاذ البيع الأول تحقيق معنى الغرر ، ولو أودع الغاصب المغصوب فهلك في يد المودع يتخير المالك في التضمين ، فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على أحد ; لأنه تبين أنه أودع ملك نفسه .

وإن ضمن المودع يرجع على الغاصب ; لأنه غره بالإيداع فيرجع عليه بضمان الغرر ، وهو ضمان الالتزام في الحقيقة ، ولو استهلكه المودع فالجواب على القلب من الأول أنه إن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المودع ; لأنه تبين أنه استهلك ماله ، وإن ضمن المودع لم يرجع على الغاصب ; لأنه ضمن بفعل نفسه ، فلا يرجع على أحد ، ولو آجر الغاصب المغصوب أو رهنه من إنسان فهلك في يده يتخير المالك ، فإن ضمن الغاصب لا يرجع على المستأجر والمرتهن ; لأنه تبين أنه آجر ورهن ملك نفسه ، إلا أن في الرهن يسقط دين المرتهن على ما هو حكم هلاك الرهن ، وإن ضمن المستأجر أو المرتهن يرجع على الغاصب بما ضمن ، والمرتهن يرجع بدينه أيضا .

أما رجوع المرتهن بالضمان ، فلا شك فيه لصيرورته مغرورا .

وأما رجوع المستأجر ; فلأنه وإن استفاد ملك المنفعة لكن بعوض وهو الأجرة فيتحقق الغرور فأشبه المودع ، ولو استهلكه المستأجر أو المرتهن يتخير المالك ، إلا أنه إن ضمن الغاصب يرجع على المستأجر والمرتهن ; لأنه تبين أنه آجر ملك نفسه ورهن ملك نفسه فاستهلكه المستأجر والمرتهن ، وإن ضمن المستأجر أو المرتهن لم يرجع على أحد ; لأنه ضمن بفعل نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أعاره الغاصب فهلك في يد المستعير يتخير المالك ، وأيهما ضمن لا يرجع بالضمان على صاحبه أما الغاصب ، فلا شك فيه ; لأنه أعار ملك نفسه فهلك في يد المستعير .

وأما المستعير فلأنه استفاد ملك المنفعة فلم يتحقق الغرور والله تعالى أعلم .

وعلى هذا تخرج منافع الأعيان المنقولة المغصوبة أنها ليست بمضمونة عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله مضمونة ، نحو ما إذا غصب عبدا أو دابة فأمسكه أياما ولم يستعمله ، ثم رده على مالكه ; لأنه لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع ; لأنها أعراض تحدث شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان ، فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك ، فلم يوجد تفويت يد المالك عنها ، فلم يوجد الغصب ، وعنده حد الغصب إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه .

وقد وجد في المنافع والمنفعة مال بدليل أنه يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة ، وتصلح مهرا في النكاح ، فتحقق الغصب فيها ، فيجب الضمان ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب دارا أو عقارا فانهدم شيء من [ ص: 146 ] البناء ، أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار ، أو غلب الماء على الأرض فبقيت تحت الماء أنه لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف الآخر ، وعند محمد وهو قول أبي يوسف الأول يضمن ، وهو قول الشافعي رحمه الله أما الشافعي فقد مر على أصله في تحديد الغصب أنه إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه ، وهذا يوجد في العقار ، كما يوجد في المنقول .

وأما محمد رحمه الله تعالى فقد مر على أصله في حد الغصب أنه إزالة يد المالك عن ماله ، والفعل في المال ليس بشرط ، وقد وجد تفويت يد المالك عن العقار ; لأن ذلك عبارة عن إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك ، أو إعجاز المالك عن الانتفاع به ، وهذا كما يوجد في المنقول يوجد في العقار فيتحقق الغصب ، والدليل عليه مسألة ذكرناها في الرجوع عن الشهادات وهي : أن من ادعى على آخر دارا فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين وقضى القاضي بشهادتهما ، ثم رجعا يضمنان .

كما لو كانت الدعوى في المنقول ، فقد سوى بين العقار والمنقول في ضمان الرجوع ، فدل أن الغصب الموجب للضمان يتحقق فيهما جميعا وأما أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فمرا على أصلهما أن الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال ولم يوجد في العقار ، والدليل على أن هذا شرط تحقق الغصب : الاستدلال بضمان الغصب ، فإن أخذ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل في الضمان ، فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب ، ليكون اعتداء بالمثل ، وعلى أنهما إن سلما تحقق الغصب في العقار ، فالأصل في الغصب أن لا يكون سببا لوجوب الضمان ; لأن أخذ الضمان من الغاصب إتلاف ماله عليه .

ألا ترى أنه تزول يده وملكه عن الضمان ، فيستدعي وجود الإتلاف منه إما حقيقة أو تقديرا ; لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الاعتداء ، إلا بالمثل ، قال الله سبحانه وتعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ولم يوجد هاهنا الإتلاف من الغاصب لا حقيقة ولا تقديرا أما الحقيقة فظاهرة .

وأما التقدير فلأن ذلك بالنقل والتحويل والتغييب عن المالك على وجه لا يقف على مكانه ، ولهذا لو حبس رجلا حتى ضاعت مواشيه ، وفسد زرعه لا ضمان عليه ، والعقار لا يحتمل النقل والتحويل ، فلم يوجد الإتلاف حقيقة وتقديرا فينتفي الضمان لضرورة النص ، وعلى هذا الاختلاف إذا غصب عقارا فجاء إنسان فأتلفه فالضمان على المتلف عندهما ; لأن الغصب لا يتحقق في العقار فيعتبر الإتلاف ، وعند محمد يتحقق الغصب فيه فيتخير المالك ، فإن اختار تضمين الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المتلف ، وإن اختار تضمين المتلف لا يرجع على أحد ; لأنه ضمن بفعل نفسه .

( وأما ) مسألة الرجوع عن الشهادة فمن أصحابنا من منعها ، وقال : إن محمدا رحمه الله بنى الجواب على أصل نفسه ، فأما على قولهما فلا يضمنان ، ومنهم من سلم ولا بأس بالتسليم ; لأن ضمان الرجوع ضمان إتلاف لا ضمان غصب والعقار مضمون بالإتلاف بلا خلاف ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيا حرا من أهله فمات في يده من غير آفة أصابته ، بأن مرض في يده فمات ، أنه لا يضمن ; لأن كون المغصوب مالا شرط تحقق الغصب ، والحر ليس بمال ولو مات في يده بآفة بأن عقره أسد أو نهشته حية ونحو ذلك يضمن لوجود الإتلاف منه تسبيبا ، والحر يضمن بالإتلاف مباشرة وتسبيبا على ما نذكره في مسائل الإتلاف إن شاء الله تعالى ولو غصب مدبرا فهلك في يده يضمن ; لأن المدبر مال متقوم ، إلا أنه امتنع جواز بيعه إذا كان مدبرا مطلقا مع كونه مالا متقوما لانعقاد سبب الحرية للحال .

وفي البيع إبطال السبب على ما عرف ، وكذلك لو غصب مكاتبا فهلك في يده ; لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مالا متقوما ، ومعتق البعض بمنزلة المكاتب على أصل أبي حنيفة فكان مضمونا بالغصب كالمكاتب ، وعلى أصلهما هو حر عليه دين ، والحر لا يضمن بالغصب ، ولو غصب أم ولد إنسان فهلكت عندهم لم يضمن عند أبي حنيفة رضي الله عنه ، وعندهما يضمن ، وأم الولد لا تضمن بالغصب ، ولا بالقبض في البيع الفاسد ، ولا بالإعتاق كجارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعا ، ثم أعتقها أحدهما لا يضمن لشريكه شيئا ، ولا تسعى هي في شيء أيضا عنده ، وعندهما يضمن في ذلك كله كالمدبر ، ولقب المسألة : أن أم الولد هل هي متقومة من حيث إنها مال أم لا ولا خلاف أنها متقومة بالقتل ، ولا خلاف في أن المدبر متقوم .

( وجه ) قولهما أنها كانت مالا متقوما ، والاستيلاد لا يوجب المالية والتقوم ; لأنه [ ص: 147 ] لا يثبت به إلا حق الحرية فإنه لا يبطل المالية والتقوم ، كما في المدبر .

( وجه ) قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاستيلاد إعتاق لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه { قال في جاريته مارية : أعتقها ولدها } فظاهره يقتضي ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام ، إلا أنه تأخر في حق بعض الأحكام ، فمن ادعى التأخر في حق سقوط المالية والتقوم فعليه الدليل بخلاف المدبر ; لأن التدبير ليس بإعتاق للحال على معنى أنه لا يثبت به العتق للحال أصلا ، وإنما الموجود للحال مباشرة سبب العتق من غير عتق ، وهذا لا يمنع بقاء المالية والتقويم ، ويمنع جواز البيع لما قلنا ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة لذمي أو لمسلم فهلك في يده أو استهلكه أنه لا يضمن ; لأن الميتة والدم ليسا بمال في الأديان كلها .

ولو دبغه الغاصب وصار مالا فحكمه نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب خمرا لمسلم أو خنزيرا له فهلك في يده أنه لا يضمن ، سواء كان الغاصب مسلما أو ذميا ; لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم وكذا الخنزير ، فلا يضمنان بالغصب .

ولو غصب خمرا أو خنزيرا لذمي فهلك في يده يضمن سواء كان الغاصب ذميا أو مسلما غير أن الغاصب إن كان ذميا فعليه في الخمر مثلها ، وفي الخنزير قيمته وإن كان مسلما فعليه القيمة فيهما جميعا ، وهذا عندنا وقال الشافعي : لا ضمان على غاصب الخمر والخنزير كائنا من كان .

( وجه ) قوله : أن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حق الناس كافة لقوله سبحانه وتعالى في صفة الخمور أنه : { رجس من عمل الشيطان } وصفة المحل لا تختلف باختلاف الشخص وقوله عليه الصلاة والسلام : { حرمت الخمر لعينها } أخبر عليه الصلاة والسلام كونها محرمة وجعل علة حرمتها عينها ، فتدور الحرمة مع العين ، وإذا كانت محرمة لا تكون مالا ; لأن المال ما يكون منتفعا به حقيقة ، مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق .

( ولنا ) ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث المعروف : { فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين } وللمسلم الضمان إذا غصب منه خله وشاته ونحو ذلك إذا هلك في يد الغاصب ، فيلزم أن يكون للذمي الضمان إذا غصب منه خمره أو خنزيره ; ليكون لهم ما للمسلمين عملا بظاهر الحديث وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى : فبعض مشايخنا قالوا : الخمر مباح في حق أهل الذمة وكذا الخنزير ، فالخمر في حقهم كالخل في حقنا ، والخنزير في حقهم كالشاة في حقنا في حق الإباحة شرعا .

فكان كل واحد منهما مالا متقوما في حقهم ، ودليل الإباحة في حقهم أن كل واحد منهم منتفع به حقيقة ; لأنه صالح لإقامة مصلحة البقاء ، والأصل في أسباب البقاء هو الإطلاق ، إلا أن الحرمة في حق المسلم تثبت نصا غير معقول المعنى ، أو معقول المعنى لمعنى لا يوجد هاهنا ، أو يوجد لكنه يقتضي الحل لا الحرمة ، وهو قوله تعالى : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } لأن الصد لا يوجد في الكفرة ، والعداوة فيما بينهم واجب الوقوع ، ولأنها سبب المنازعة والمنازعة سبب الهلاك ، وهذا يوجب الحل لا الحرمة ، فلا تثبت الحرمة في حقهم ، وبعضهم قالوا : إن الحرمة ثابتة في حقهم ، كما هي ثابتة في حق المسلمين ; لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات عندنا ، وهو الصحيح من الأقوال على ما عرف في أصول الفقه ، وعلى هذا طريق وجوب الضمان وجهان : .

أحدهما : أن الخمر ، وإن لم يكن مالا متقوما في الحال فهي بعرض أن تصير مالا متقوما في الثاني بالتخلل والتخليل ، ووجوب ضمان الغصب والإتلاف يعتمد كون المحل المغصوب والمتلف مالا متقوما في الجملة ولا يقف على ذلك للحال ، ألا ترى أن المهر والجحش وما لا منفعة له في الحال مضمون بالغصب والإتلاف ، والثاني : أن الشرع منعنا عن التعرض لهم بالمنع عن شرب الخمر وأكل الخنزير ; لما روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال : { أمرنا بأن نتركهم وما يدينون } ، ومثله لا يكذب ، وقد دانوا شرب الخمر وأكل الخنزير فلزمنا ترك التعرض لهم في ذلك ، وبقي الضمان بالغصب والإتلاف يفضي إلى التعرض ; لأن السفيه إذا علم أنه إذا غصب أو أتلف لا يؤاخذ بالضمان يقدم على ذلك ، وفي ذلك منعهم وتعرض لهم من حيث المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم .

ولو كان لمسلم خمر غصبها ذمي أو مسلم فهلكت عند الغاصب أو خللها ، فلا ضمان عليه ، ولو استهلكها يضمن خلا مثلها ; لأن الغصب حين وجوده لم ينعقد سببا لوجوب الضمان ، ولم يوجد من الغاصب صنع آخر ; لأن الهلاك ليس من صنعه ، فلا يضمن ، وإن استهلكه فقد وجد منه [ ص: 148 ] صنع آخر سوى الغصب ، وهو إتلاف خل مملوك للمغصوب منه فيضمن ولو غصب مسلم من نصراني صليبا له فهلك في يده يضمن قيمته صليبا ; لأنه مقر على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا استخدم عبد رجل بغير أمره ، أو بعثه في حاجة ، أو قاد دابة له ، أو ساقها ، أو ركبها ، أو حمل عليها بغير إذن صاحبها أنه ضامن بذلك ، سواء عطب في تلك الخدمة أو في مضيه في حاجته أو مات حتف أنفه ; لأن يد المالك كانت ثابتة عليه .

وإذا أثبت يد التصرف عليه فقد فوت يد المالك فيتحقق الغصب ولو دخل دار إنسان بغير إذنه ، وليس في الدار أحد فهلك في يده لم يضمن في قولهما ، وعند محمد يضمن ، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولو جلس على فراش غيره أو بساط غيره بغير إذنه فهلك لا يضمن بالإجماع ; لأن تفويت يد المالك فيما يحتمل النقل لا يحصل بدون النقل ، فلم يتحقق الغصب ، فلا يجب الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث