الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ نوعان

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان : نوع في معناه من كل وجه ، وهو أن يكون على طريق المباشرة ، ونوع هو في معناه من وجه ، وهو أن يكون من طريق التسبيب ، أما الأول : فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده لا عن قصد ; لأنه مات بثقله فترتب عليه أحكامه من وجوب الكفارة والدية وحرمان الميراث والوصية ; لأنه إذا كان في معناه من كل وجه كان ورود الشرع بهذه الأحكام هناك ورودا ههنا دلالة .

وكذلك لو سقط إنسان من سطح على قاعد فقتله ( أما ) وجوب الدية فلوجود معنى الخطأ ، وهو عدم القصد ( وأما ) وجوب الكفارة وحرمان الميراث والوصية فلوجود القتل مباشرة ; لأنه مات بثقله ، سواء كان القاعد في طريق العامة أو في ملك نفسه ، ولو مات الساقط دون القاعد ينظر إن كان في ملك نفسه أو في موضع لا يكون قعوده فيه جناية لا شيء على القاعد ; لأنه ليس بمتعد في القعود فما تولد منه لا يكون مضمونا عليه ، ويهدر دم الساقط ، وإن كان في موضع يكون قعوده فيه جناية فدية الساقط على القاعد تتحملها العاقلة ; لأنه متعد في القعود فالمتولد منه يكون مضمونا عليه كما في حفر البئر ، ولا كفارة عليه لحصول القتل بطريق التسبيب كما في البئر .

وكذلك إذا كان يمشي في الطريق حاملا سيفا أو حجرا أو لبنة أو خشبة فسقط من يده فقتله لوجود معنى الخطأ فيه وحصوله على سبيل المباشرة لوصول الآلة لبشرة المقتول ( ولو ) كان لابسا سيفا فسقط على غيره فقتله أو سقط عنه ثوبه أو رداؤه أو طيلسانه أو عمامته ، وهو لابسه على إنسان فتعقل به فتلف فلا ضمان عليه أصلا ; لأن في اللبس ضرورة ; إذ الناس يحتاجون إلى لبس هذه ، والتحرز عن السقوط ليس في وسعهم ، فكانت البلية فيه عامة فتعذر التضمين ، ولا ضرورة في الحمل ، والاحتراز عن سقوط المحمول ممكن أيضا ، وإن كان الذي لبسه مما لا يلبس عادة فهو ضامن .

وكذلك الراكب إذا كان يسير في الطريق [ ص: 272 ] العامة فوطئت دابته رجلا بيديها أو برجلها لوجود معنى الخطأ في هذا القتل وحصوله على سبيل المباشرة ; لأن ثقل الراكب على الدابة ، والدابة آلة له فكان القتل الحاصل بثقلها مضافا إلى الراكب فكان قتلا مباشرة ، ولو كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامن إلا أنه لا كفارة عليه ، ولا يحرم الميراث ، والوصية لحصول القتل على سبيل التسبب دون المباشرة ، ولا كفارة على السائق ، والقائد ، ولا يحرمان الميراث والوصية ; لأن فعل السوق والقود يقرب الدابة من القتل فكان قتلا تسبيبا لا مباشرة ، والقتل تسببا لا مباشرة لا يتعلق بهذه الأحكام بخلاف الراكب ; لأنه قاتل مباشرة على ما بينا ، والرديف والراكب سواء ، وعليهما الكفارة ، ويحرمان الميراث والوصية ; لأن ثقلهما على الدابة ، والدابة آلة لهما فكانا قاتلين على طريق المباشرة ، ولو نفحت الدابة برجلها أو بذنبها ، وهو يسير فلا ضمان في ذلك على راكب ولا سائق ولا قائد ، والأصل أن السير والسوق والقود في طريق العامة مأذون فيه بشرط سلامة العاقبة فما لم تسلم عاقبته - لم يكن مأذونا فيه فالمتولد منه يكون مضمونا إلا إذا كان مما لا يمكن الاحتراز عنه بسد باب الاستطراق على العامة ، ولا سبيل إليه ، والوطء والكدم والصدم والخبط في السير والسوق والقود مما يمكن الاحتراز عنه بحفظ الدابة وذود الناس ، والنفح مما لا يمكن التحرز عنه وكذا البول والروث واللعاب ، فسقط اعتباره والتحق بالعدم ، وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام { قال : الرجل جبار أي نفحها } ولهذا أسقط اعتبار ما ثار من الغبار من مشي الماشي حتى لو أفسد متاعا لم يضمن .

وكذا ما أثارت الدابة بسنابكها من الغبار أو الحصى الصغار ، ولا ضمان فيه لما قلنا كذا هذا .

وأما الحصى الكبار فيجب الضمان فيها ; لأنه يمكن التحرز عن إثارتها ; إذ لا يكون ذلك إلا بتعنيف في السوق ، ولو كبح الدابة باللجام فنفحت برجلها أو بذنبها فهو هدر لعموم البلوى به ، ولو أوقف الدابة في الطريق فقتلت إنسانا ، فإن كان ذلك في غير ملكه كطريق العامة - فهو ضامن لذلك كله سواء وطئت بيديها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت بيديها أو نفحت برجلها أو بذنبها أو عطب شيء بروثها أو بولها أو لعابها ، كل ذلك مضمون عليه ، وسواء كان راكبا أو لا ; لأن روث الدابة في طريق العامة ليس بمأذون فيه شرعا إنما المأذون فيه هو المرور لا غير ; إذ الناس يتضررون بالوقوف ولا ضرورة فيه فكان الوقوف فيه تعديا من غير ضرورة فما تولد منه يكون مضمونا عليه سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو لا يمكن غير أنه إن كان راكبا فعليه الكفارة في الوطء باليد والرجل ; لكونه قاتلا من طريق المباشرة ، وإن لم يكن راكبا لا كفارة عليه لوجود القتل منه تسبيبا لا مباشرة .

وكذلك لو أوقف دابة على باب المسجد فهو مثل وقفه في الطريق ; لأنه متعد في الوقف إلا أن يكون الإمام جعل للمسلمين عند باب المسجد موقفا يقفون فيه دوابهم فلا ضمان عليه فيما أصابت في وقوفها ; لأن للإمام أن يفعل ذلك إذا لم يتضرر الناس به فلم يكن متعديا في الوقوف فأشبه الوقوف في ملك نفسه إلا إذا كان راكبا فوطئت دابته إنسانا فقتلته ; لأن ذلك قتل بطريق المباشرة فيستوي في المواضع كلها .

ألا ترى أنه لو كان في ملكه يضمن .

وكذلك لو أوقف دابته في موضع أذن الإمام بالوقوف فيه كما في سوق الخيل والبغال لما قلنا ، وكذلك إذا أوقف دابته في الفلاة ; لأن الوقوف في الفلاة مباح لعدم الإضرار بالناس فلم يكن متعديا فيه .

وكذلك في الطريق إن كان وقف في المحجة فالوقوف فيها كالوقوف في سائر الطرق العامة ، ولو كان سائرا في هذه المواضع التي أذن الإمام فيها بالوقوف للناس أو سائقا أو قائدا فهو ضامن ; لأن أثر الإذن في سقوط ضمان الوقف لا في غيره ; لأن إباحة الوقف فيها استفيد بالإذن ; لأنه لم يكن ثابتا قبله ، فأما إباحة السير والسوق والقود فلم يثبت بالإذن من الإمام ; لأنه كان ثابتا قبله فبقي الأمر فيها على ما كان قبل الإذن ، وإن كان الوقف أو السير أو السوق أو القود في ملكه فلا ضمان عليه في شيء مما ذكر إلا فيما وطئت دابته بيديها أو برجلها ، وهو راكب ; لأن هذه الأفعال تقع تعديا في الملك ، والتسبيب إذا لم يكن تعديا لا يكون سببا لوجوب الضمان .

فأما الوطء باليد والرجل في حال السير أو الوقوف فهو قتل مباشرة لا تسبيبا حتى تجب الكفارة لوجود الضمان على كل سواء كان في ملكه أو في غير ملكه ، وسواء كان الذي لحقته الجناية مأذونا في الدخول أو غير مأذون ; لأن التلف حصل بفعله مباشرة ، ومن دخل ملك غيره بغير إذنه لا يباح إتلافه ، ولو ربط الدابة في غير ملكه فما دامت تجول في رباطها إذا أصابت شيئا بيديها [ ص: 273 ] أو برجلها أو راثت أو بالت فعطب به شيء - فذلك كله مضمون عليه ; لأنه متعد في الوقوف في غير ملكه ، ولو انفتح الرباط وذهبت من ذلك الموضع فما عطب به شيء فهو هدر ; لأن معنى التعدي قد زال بزوالها من موضع الوقوف ، وإن أوقفها غير مربوطة فزالت عن موضعها بعد ما أوقفها ثم جنت على إنسان أو عطب بها شيء فهو هدر ; لأنها لما زالت عن موضع الوقف فقد زال التعدي فكأنها دخلت في هذه المواضع بنفسها وجنت ، ولو نفرت الدابة من الرجل أو انفلتت منه فما أصابت في فورها ذلك - فلا ضمان عليه لقوله عليه الصلاة والسلام { العجماء جبار } أي البهيمة جرحها جبار ولأنه لا صنع له في نفارها وانفلاتها ، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها ، فالمتولد منه لا يكون مضمونا ، ولو أرسل دابته فما أصابت من فورها ضمن ; لأن سيرها في فورها مضاف إلى إرسالها ، فكان متعديا في الإرسال ، فصار كالدافع لها أو كالسائق ، فإن عطفت يمينا وشمالا ثم أصابت ، فإن لم يكن لها طريق إلا ذلك - فذلك مضمون على المرسل ; لأنها باقية على حكم الإرسال ، وإن كان لها طريق آخر لا يضمن ; لأنها عطفت باختيارها فينقطع حكم الإرسال ، وصارت كالمنفلتة ، ولو أرسل طيرا فأصاب شيئا في فوره ذلك لا يضمن ذلك بالإجماع ذكره في الزيادات فيمن أرسل بازيا في الحرم فأتلف طيبة الحرم إنه لا يضمن ; لأنه يفعل باختياره وفعله جبار ، ولو أغرى به كلبا حتى عقر رجلا فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه كما لو أرسل طيرا ، وعند أبي يوسف - رحمه الله - يضمن كما لو أرسل البهيمة وقال محمد - رحمه الله - : إن كان سائقا له أو قائدا يضمن ، وإن لم يكن سائقا له ولا قائدا لا يضمن ، وبه أخذ الطحاوي - رحمه الله .

( وجه ) قول محمد أن العقر فعل الكلب باختياره فالأصل هو الاقتصار عليه ، وفعله جبار إلا أنه بالسوق أو القود يصير مغريا إياه إلى الإتلاف فيصير سببا للتلف فأشبه سوق الدابة وقودها .

( وجه ) قول أبي يوسف إن إغراء الكلب بمنزلة إرسال البهيمة ، فالمصاب على فور الإرسال مضمون على المرسل ، فكذا هذا ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه : أن الكلب يعقر باختياره ، والإغراء للتحريض ، وفعله جبار ، ولو دخل رجل دار غيره فعقره كلبه لا يضمن ، سواء دخل داره بإذنه أو بغير إذنه ; لأن فعل الكلب جبار ، ولم يوجد من صاحبه التسبيب إلى العقر ; إذ لم يوجد منه إلا الإمساك في البيت وأنه مباح قال الله - تبارك وتعالى ، وهو أصدق القائلين : { مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم } ، ولو ألقى حية أو عقربا في الطريق فلدغت إنسانا - فضمانه على الملقي ; لأنه متعد في الإلقاء إلا إذا عدلت عن ذلك الموضع إلى موضع آخر فلا يضمن لارتفاع التعدي بالعدول إذا اصطدم فارسان فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر في قول أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - وعند زفر - رحمه الله - على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر ، وهو قول الشافعي - رحمه الله ( وجه ) قول زفر : أن كل واحد منهما مات بفعلين : فعل نفسه ، وفعل صاحبه ، وهو صدمة صاحبه ، وصدمة نفسه فيهدر ما حصل بفعل نفسه ، ويعتبر ما حصل بفعل صاحبه ، فيلزم أن يكون عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر ، كما لو جرح نفسه ، وجرحه أجنبي فمات أن على الأجنبي نصف الدية لما قلنا كذا هذا .

( ولنا ) ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال مثل مذهبنا ; ولأن كل واحد منهما مات من صدم صاحبه إياه فيضمن صاحبه كمن بنى حائطا في الطريق ، فصدم رجلا فمات إن الدية على صاحب الحائط كذا هذا ، وبه تبين أن صدمة نفسه مع صدم صاحبه إياه فيه غير معتبر ; إذ لو اعتبر لما لزم باني الحائط على الطريق جميع الدية ; لأن الرجل قد مشى إليه وصدمه .

وكذلك حافر البئر يلزمه جميع الدية ، وإن كان الماشي قد مشى إليها رجلان مدا حبلا حتى انقطع فسقط كل واحد منهما ، فإن سقطا على ظهرهما فماتا - فلا ضمان أصلا ; لأن كل واحد منهما لم يمت من فعل صاحبه ; إذ لو مات من فعل صاحبه لخر على وجهه ، فلما سقط على قفاه علم أنه سقط بفعل نفسه ، وهو مده ، فقد مات كل واحد منهما من فعل نفسه فلا ضمان على أحد ، وإن سقطا على وجهيهما فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر ; لأنه لما خر على وجهه علم أنه مات من جذبه ، وإن سقط أحدهما على ظهره ، والآخر على وجهه فماتا جميعا - فدية الذي سقط على وجهه على عاقلة الآخر ; لأنه مات بفعله ، وهو جذبه ، ودية الذي سقط على ظهره هدر ; لأنه مات من فعل نفسه ، ولو قطع قاطع الحبل فسقطا جميعا فماتا فالضمان على القاطع [ ص: 274 ] لأنه تسبب في إتلافهما والإتلاف تسبيبا يوجب الضمان كحفر البئر ، ونحو ذلك : صبي في يد أبيه جذبه رجل من يده ، والأب يمسكه حتى مات فديته على الذي جذبه ويرثه أبوه ; لأن الأب محق في الإمساك والجاذب متعد في الجذب ، فالضمان عليه ، ولو تجاذب رجلا صبيا ، وأحدهما يدعي أنه ابنه ، والآخر يدعي أنه عبده ، فمات من جذبهما - فعلى الذي يدعي أنه عبده ديته ; لأنه متعد في الجذب ; لأن المتنازعين في الصبي ، إذا زعم أحدهما أنه أبوه - فهو أولى به من الذي يدعي أنه عبده - فكان إمساكه بحق ، وجذب الآخر بغير حق ; فيضمن .

رجل في يده ثوب تشبث به رجل فجذبه صاحب الثوب من يده فخرق الثوب ضمن الممسك نصف الخرق ; لأن حق صاحب الثوب في دفع الممسك ، وعليه دفعه بغير جذب فإذا جذب فقد حصل التلف من فعلهما فانقسم الضمان بينهما رجل عض ذراع رجل فجذب المعضوض ذراعه من فيه ; فسقطت أسنان العاض ، وذهب لحم ذراع هذا - تهدر دية الأسنان ، ويضمن العاض أرش الذراع ; لأن العاض متعد في العض ، والجاذب غير متعد في الجذب ; لأن العض ضرر ، وله أن يدفع الضرر عن نفسه رجل جلس إلى جنب رجل فجلس على ثوبه ، وهو لا يعلم ، فقام صاحب الثوب فانشق ثوبه من جلوس هذا عليه يضمن الجالس نصف ذلك ; لأن التلف حصل من الجلوس والجذب ، والجالس متعد في الجلوس ; إذ لم يكن له أن يجلس عليه ، فكان التلف حاصلا من فعليهما فينقسم الضمان عليهما .

رجل أخذ بيد إنسان ، فصافحه ، فجذب يده من يده ، فانقلب ، فمات - فلا شيء عليه ; لأن الآخذ غير معتد في الأخذ للمصافحة بل هو مقيم سنة ، وإنما الجاذب هو الذي تعدى على نفسه حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الآخذ ، وإن كان أخذ يده ليعصرها ، فآذاه ، فجر يده - ضمن الآخذ ديته ; لأنه هو المتعدي ، وإنما صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بالجر ، وله ذلك ، فكان الضمان على المتعدي ، فإن انكسرت يد الممسك ، وهو الآخذ بالجذب - لم يضمن الجاذب ; لأن التعدي من الممسك ، فكان جانيا على نفسه - فلا ضمان على غيره ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث