الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ نوعان

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) الثاني فنحو جناية الحافر ومن في معناه ممن يحدث شيئا في الطريق أو المسجد ، وجناية السائق والقائد ، وجناية الناخس ، وجناية الحائط ( أما ) جناية الحافر ، فالحفر لا يخلو ( إما ) إن كان في غير الملك أصلا ( وأما ) إن كان في الملك ، فإن كان في غير الملك ينظر إن كان في غير الطريق بأن كان في المفازة - لا ضمان على الحافر ; لأن الحفر ليس بقتل حقيقة بل هو تسبيب إلى القتل إلا أن التسبيب قد يلحق بالقتل إذا كان المسبب متعديا في التسبيب ، والمتسبب ههنا ليس بمتعد ; لأن الحفر في المفازة مباح مطلق فلا يلحق به ، فانعدم القتل حقيقة وتقديرا فلا يجب الضمان ، وإن كان في طريق المسلمين فوقع فيها إنسان فمات - فلا يخلو : أما إن مات بسبب الوقوع .

وإما إن مات غما أو جوعا ، فإن مات بسبب الوقوع فالحافر لا يخلو : إما إن كان حرا ، وإما إن كان عبدا ، فإن كان حرا يضمن الدية ; لأن حفر البئر على قارعة الطريق سبب لوقوع المار فيها إذا لم يعلم ، وهو متعد في هذا التسبيب ، فيضمن الدية ، وتتحمل عنه العاقلة ; لأن التحمل في القتل الخطأ المطلق للتخفيف على القاتل نظرا له ، والقتل بهذه الطريق دون القتل الخطأ ، فكانت الحاجة إلى التخفيف أبلغ ، ولا كفارة عليه ; لأن وجوبها متعلق بالقتل مباشرة .

والحفر ليس بقتل أصلا حقيقة إلا أنه ألحق بالقتل في حق وجوب الدية فبقي في حق وجوب الكفارة على الأصل ، ولأن الكفارة في الخطأ المطلق إنما وجبت شكرا لنعمة الحياة بالسلامة عند وجود سبب فوت السلامة ، وذلك بالقتل ، فإذا لم يوجد لم يجب الشكر .

وكذا لا يحرم الميراث ، إن كان وارثا للمجني عليه ، ولا الوصية إن كان أجنبيا ; لأن حرمان الميراث والوصية حكم متعلق بالقتل قال النبي عليه الصلاة والسلام { لا ميراث لقاتل } وقال عليه الصلاة والسلام { لا وصية لقاتل } ولم يوجد القتل حقيقة ، وإن مات غما أو جوعا فقد اختلف أصحابنا فيه قال أبو حنيفة : رضي الله عنه لا يضمن .

وقال محمد : يضمن ، وقال أبو يوسف - رحمه الله - إن مات غما يضمن وإن مات جوعا لا يضمن ( وجه ) قول محمد رحمه الله إن الضمان عند الموت بسبب السقوط إنما وجب لكون الحفر تسبيبا إلى الهلاك ، ومعنى التسبيب موجود ههنا ; لأن الوقوع سبب الغم والجوع ; لأن البئر يأخذ نفسه ، وإذا طال مكثه يلحقه الجوع ، والوقوع بسبب الحفر ، فكان مضافا إليه ، كما إذا حبسه في موضع حتى مات ( وجه ) قول أبي يوسف أن الغم من آثار [ ص: 275 ] الوقوع ، فكان مضافا إلى الحفر ، فأما الجوع فليس من آثاره ، فلا يضاف إلى الحفر ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه لا صنع للحافر في الغم ، ولا في الجوع حقيقة ; لأنهما يحدثان بخلق الله - تعالى - لا صنع للعبد فيهما أصلا لا مباشرة ، ولا تسبيبا أما المباشرة فلا شك في انتقائها .

وأما التسبيب فلأن الحفر ليس بسبب للجوع لا شك فيه ; لأنه لا ينشأ منه بل من سبب آخر ، والغم ليس من لوازم البئر فإنها قد تغم ، وقد لا تغم ، فلا يضاف ذلك إلى الحفر ، وإن أصابته جناية فيما دون النفس فضمانها على الحافر ; لأنها حصلت بسبب الوقوع ، والوقوع بسبب الحفر ، ثم إن بلغ القدر الذي تتحمله العاقلة حمله عليهم ، وإلا فيكون في ماله ، وكذا إذا كان الواقع غير بني آدم ; لأن ضمان المال لا تتحمله العاقلة كما لا تتحمل سائر الديون ثم إن جنايات الحفر ، وإن كثرت من الحر يجب عليه لكل جناية أرشها ولا يسقط شيء من ذلك بشيء منه ولا يشرك المجني عليهم فيما يجب لكل واحد منهم ; لأنه بالحفر جنى على كل واحد منهم بحياله ، فيؤخذ بكل واحدة من الجنايات بحيالها ، هذا هو الأصل ، وإن كان الحافر عبدا ، فإن كان قنا فجنايته بالحفر بمنزلة جنايته بيده ، وقد ذكرنا حكم ذلك فيما تقدم ، وهو أن يخاطب المولى بالدفع أو الفداء ، قلت جنايته أو كثرت غير أنه إن كان المجني عليه واحدا يدفع إليه أو يفدي ، وإن كانوا جماعة يدفع إليهم أو يفدي بجميع الأروش ; لأن جنايات القن في رقبته يقال للمولى : ادفع أو أفد ، والرقبة تتضايق عن الحقوق فيتضاربون في الرقبة ، والواجب بجناية الحر يتعلق بذمة العاقلة ، والذمة لا تتضايق عن الحقوق ، فإن وقع فيها واحد فمات فدفعه المولى إلى ولي جنايته ثم وقع آخر يشارك الأول في الرقبة المدفوعة .

وكذلك الثالث والرابع فكلما يحدث من جناية بعد الدفع فإنهم يشاركون المدفوع إليه الأول في رقبة العبد ، وكل واحد منهم يضرب بقدر جنايته ; لأن المولى بالدفع إلى الأول خرج عن عهدة الجناية ; لأنه فعل ما وجب عليه فخرج عن عهدة الواجب ثم الجناية في حق الثاني والثالث حصلت بسبب الحفر أيضا ، والحكم فيها وجوب الدفع ، فكان الدفع إلى الأول دفعا إلى الثاني والثالث لاستواء الكل في سبب الوجوب كأنه دفعه إلى الأول دفعة واحدة ، ولو حفرها ثم أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع ثم لحقت الجنايات ، فذلك على المولى في قيمته يوم عتق يشترك فيها أصحاب الجنايات التي كانت قبل العتق وبعده يضرب في ذلك كل واحد بقدر أرش الجناية ; لأن جناية القن ، وإن كثرت - فالواجب فيها الدفع والولي بالإعتاق فوت الدفع من غير اختيار الفداء فتعتبر قيمته وقت الإعتاق ; لأن فوات الدفع حصل بالإعتاق فتعتبر قيمته يوم الإعتاق بخلاف المدبر أنه لا تعتبر قيمته يوم التدبير بل يوم الجناية ، وإن كان فوات الدفع بالتدبير ، لكن التدبير إنما يصير سببا عند وجود شرطه ، وهو الجناية فتعتبر قيمته حينئذ على ما بينا فيما تقدم ، وإن كان الحافر مدبرا أو أم ولد فعلى المولى قيمة واحدة قلت الجناية أو كثرت وتعتبر قيمته يوم الجناية ، وهو يوم الحفر ولا تعتبر زيادة القيمة ونقصانها ; لأنه صار جانيا بسبب الحفر عند الوقوع فتعتبر قيمته وقت الجناية كما إذا جنى بيده ، وإن كان مكاتبا فجنايته على نفسه لا على مولاه ، كما إذا جنى بيده ، وتعتبر قيمته يوم الحفر ; لما بينا ، ولو حفر بئرا في الطريق ، فجاء إنسان ، ودفع إنسانا ، وألقاه فيها - فالضمان على الدافع لا على الحافر ; لأن الدافع قاتل مباشرة ولو وضع رجل حجرا في قعر البئر فسقط إنسان فيها لا ضمان على الحافر مع الواضع ههنا كالدافع مع الحافر ، ولو جاء رجل فحفر من أسفلها ثم وقع فيها إنسان فالضمان على الأول كذا ذكر الكرخي وذكر محمد - رحمه الله - في الكتاب ينبغي في القياس أن يضمن الأول ثم قال : وبه نأخذ ولم يذكر الاستحسان ، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله - في الاستحسان : الضمان عليهما لاشتراكهما في الجناية ، وهي الحفر فيشتركان في الضمان .

( وجه ) القياس : أن سبب الوقوع حصل من الأول ، وهو الحفر بإزالة المسكة ، والحفر من الثاني بمنزلة نصب السكين أو وضع الحجر في قعر البئر ، فكان الأول كالدافع ، فكان الضمان عليه ، ولو حفر رجل بئرا فجاء إنسان ووسع رأسها فوقع فيها إنسان - فالضمان عليهما نصفان هكذا أطلق في الكتاب ، ولم يفصل ، وقيل : جواب الكتاب محمول على ما إذا وسع قليلا بحيث يقع رجل في حفرهما ( فأما ) إذا وسع كثيرا بحيث يقع قدمه في حفر الثاني فالضمان على الثاني لا على الأول ; لأن التوسع إذا كان قليلا بحيث يقع قدمه في حفرهما كان الوقوع بسبب [ ص: 276 ] وجد منهما ، وهو حفرهما فكان الضمان عليهما وإذا كان كثيرا كان الوقوع بسبب وجد من الثاني فكان الضمان عليه ، ولو حفر بئرا ثم كبسها فجاء رجل ، وأخرج ما كبس ، فوقع فيها إنسان - فالكبس لا يخلو : إما إن كان بالتراب والحجارة ( وأما ) إن كان بالحنطة والشعير ، فإن كان بالأول فالضمان على الثاني ، وإن كان بالثاني فالضمان على الأول ; لأن الكبس بالتراب والحجارة يعد طما للبئر ، وإلحاقا له بالعدم ، فكان إخراج ذلك منها بمنزلة إخراج بئر أخرى ( فأما ) الحنطة والشعير ونحوهما - فلا يعد ذلك طما بل يعد شغلا لها .

ألا يرى أنه بقي أثر الحفر بعد الكبس بالحنطة والشعير ، ولا يبقى أثره بعد الكبس بالتراب والحجارة ، ولو حفر بئرا وسد الحافر رأسها ثم جاء إنسان فنقضه ، فوقع فيها إنسان - فالضمان على الحافر ; لأن أثر الحفر لم ينعدم بالسد ، لكن السد صار مانعا من الوقوع ، والفاتح بالفتح أزال المانع ، وزوال المانع شرط للوقوع ، والحكم يضاف إلى السبب لا إلى الشرط ، ولو وضع رجل حجرا في الطريق فتعثر عليه رجل فوقع في بئر حفرها آخر - فالضمان على واضع الحجر ; لأن الوقوع بسبب التعثر ، والتعثر بسبب وضع الحجر ، والوضع تعد منه فكان التلف مضافا إلى وضع الحجر ، فكان الضمان على واضعه ، وإن كان لم يضعه أحد ، ولكنه حمل السيل - فالضمان على الحافر ; لأنه لا يمكن أن يضاف إلى الحجر لعدم التعدي منه ، فيضاف إلى الحافر ; لكونه متعديا في الحفر ، ولو اختلف الحافر وورثة الميت فقال الحافر : هو ألقى نفسه فيها متعمدا .

وقال الورثة : بل وقع فيها - فالقول قول الحافر في قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول محمد وفي قول أبي يوسف الأول : القول قول الورثة .

( وجه ) قوله الأول : أن الظاهر شاهد للورثة ; لأن العاقل لا يلقي نفسه في البئر عمدا ، والقول قول من يشهد له الظاهر .

( وجه ) قوله الآخر : أن حاصل الاختلاف يرجع إلى وجوب الضمان ، فالورثة يدعون على الحافر الضمان ، وهو ينكر ، والقول قول المنكر مع يمينه ، وما ذكر من الظاهر معارض بظاهر آخر ، وهو أن الظاهر أن المار على الطريق الذي يمشي فيه يرى البئر فتعارض الظاهران فبقي الضمان على أصل العدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث